عرض مشاركة مفردة
قديم 27-10-2007, 12:05 PM   #2
hamza nasir
عضو نشيط
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2005
المشاركات: 133
إفتراضي

المتأمركين احتجاجا على مقالة سابقة لي.

على هذا الحال بدأ الجيش الأمريكي بدفعهم وأكثرهم حفاة على الثلوج ، بعد أن وزعهم على ثلاثة عشر مجموعة ،وعبر ثلاث ممرات، ليسيروا نحو الأرض الموبوءة التي أعدتها أمريكيا لهم، والمسماة الآن اوكلوهاما،وعلى مدى ألف وتسعمائة كيلو متر ،والتي أستغرقت ممن بقى حيا منهم ما يقرب من سبعة أشهر مشيا على الأقدام.

ساروا قليلا ،ثم توجهوا للخلف نحو بلادهم التي أجبروا على تركها؛ ليودعوها الوداع الأخير ،وأخذوا يؤدون صلواتهم وهم يجأرون،والدموع تنهمر من أعينهم ،كانت لحظة مؤلمة جدا، حتى أن جنديا أخذ يتسائل:"لماذا نفعل بهم هكذا .. لماذا نرحلهم بهذه الطريقة؟ " وقد أصيب هذا الجندي بحالة كآبة شديدة رافقته حتى مات بسبب ما رأى خلال هذه الرحلة.

كانوا يتوقفون ما بين الفترة والفترة كي يدفنوا أمواتهم ،وفي كل مرة كانوا يدفنون ما بين العشرة والعشرين واحيانا يزداد العدد،وكان جنود أمريكيا يعجلوهم بضربهم بالهروات من أجل حملهم على السير مما يضطرهم الى ترك أمواتهم بلا دفن ،و لا حيلة لهم سوى الدموع على الظلم الذي ما بعده ظلم، وعلى فقدانهم أحبتهم والذين حرموا حتى من دفنهم ،وأحيانا لا تقوى أيديهم على الحفر من شدة البرد والجوع ،فيتركون أمواتهم على جوانب الطرقات.

حتى زوجة الزعيم جون روس أحدى أشهر نساء الهنود الحمر حكمة وجمالا ، توفيت في هذه الرحلة من شدة البرد، ولم تدفن بالطريقة المناسبة ،وكانت قد قدمت بطانيتها لطفل مريض،وظلت محتملة البرد حتى ماتت.

يقول أحد الجنود الأمريكيين :"رأيت أمرأة تمسك بيدي طفليها ،وطفل ثالث في مخلاة على ظهرها ،وكان الجنود يعجلوها على المسير للحاق بالجموع ،لكنها فجأة سقطت ،واخذ أطفالها يسحبونها من يديها ،فذهبت لأرى ما حدث ،فوجدتها ميتة"

وآخر يقول :"رأيت أحد الضباط يضرب رجلا مسنا أعمى بهراوة على ظهرة لحمله على المشي وهو شبه عاجز" .

الزعيم جونالوسكا لم يحتمل ما جرى ،فحاول الهروب مع خمسين من رجاله ، لكن تمت أعادتهم.

أما الزعيم جون روس والذي سبق وأن حاولت الحكومة الأمريكية كسره وأذلاله،عندما رمت به في زنزانة شديدة القذارة لعدة أشهر ،كي يتنازل عن حقوق قبائل الشيروكي، لكنه رفض أن يتنازل حتى عن أصغرها، وظل عزيزا كريما، لكنه الآن لم يحتمل أن يرى الأطفال تموت جوعا أمام عينيه ،فذهب للجنرال وينفيلد سكوت وأنكسر أمامه ،والدموع تنهمر من عينيه مستجديا منه تقسيم المجموعات وأبعادها عن بعضها البعض، كي تستفيد من أعشاب الأرض وجذورها،لكنه رفض ان يجيب طلبه الا في نهاية مراحل الرحلة.

قبل حجز هذه الجموع في الحضائر ،كان الجنرال سكوت قد وجه رسالة أخيرة الى الزعيم جون روس وللقبائل التي تحته ،ورد فيها " جئتكم بأسم الرئيس وأنا محارب قديم ،شهدت العديد من المذابح المروعة ،فأحذروني .. لا تجعلوني أشهد حطام قبائل الشيروكي"!.

ولم يسمعوه ،لأن "أمهم الأرض،من يبعها يبيع الهواء والسماء".

وها هو جنرال أمريكيا السادي ،يشهد حطامهم وأي حطام.

لقد وضعتهم أمريكيا في موقف لا مثيل له ، مطالبهم وأعتراضاتهم، شكاواهم وأتهاماتهم ، صلواتهم ونشيدهم، كانت تأتي كلها عبر الدموع التي لم تنقطع عبر رحلة الآلام هذه والموت البطيء،حتى النساء حين كانت تولد في هذه الرحلة ،تكون الدموع سيدة الموقف،بعد أن كانت تقام الأفراح من أجل ذلك،وجنود دولة الهاربين من العدالة في حالة نشوة؛ أزاء كل ما يجري. فأي حضارة هذه التي بنيت على أنهار دموع ودماء هؤلاء البسطاء.

هذه شهادة احد الأطفال الذين قدر لهم أن "ينجوا" من رحلة الموت هذه، وهو صموئيل كلاود - تسع سنوات،أنقلها بأختصار ،يقول:"حضر الجنود وأخذونا بقوة السلاح ،وأجبرونا على المشي فوق الثلوج أنا وأمي وأبي، دون أن يسمحوا لنا بأخذ أي شيء معنا،في أحدى المرات أخذتني أمي وعمتي وعمي وأخذوا يواسوني، وقالوا لي أن والدك توفي وكانوا يبكون ،لم أفهم لماذا يبكون،كان الجو شديد البرودة ،وكنت أذكر في الخريف الماضي أنه كانت عندي بطانية ،الآن أنا بدون بطانية ،كانت أمي تضمني لتحميني من البرد ،وكنت أحس بأنفاسها الدافئة تتخلل شعري ،كنت أحس بالحزن حين أرى البيض يخرجون من قراهم ليتفرجوا علينا ،كانوا يلبسون ملابسا صوفية ،وكنت أعلم بأننا نمشي من أجلهم ،وكم أتمنى لو أنهم هم الذين يمشون ونحن الذين نتفرج عليهم ،في أحدى المرات طلبت مني عمتي وعمي أن انام عندهم ،ورفضت لكنهم أجبروني على ذلك، لكني هربت منهم ونمت بجانب أمي وضمتني ،لكني في منتصف الليل أحسست بها باردة ،ولم تعد أنفاسها الدافئة تتخلل شعري، فحاولت أيقاظها ،لكن عمتي جائت واخذتني عند عمي ،ثم جاءت تبكي ،ثم أخذ عمي بالبكاء واخذوا يواسوني ،قالوا لي أنها ماتت ،وما فهمته هو أني سأظل لوحدي الآن،وهذا ما أبكاني ..أكره البيض هم الذين أجبرونا على ترك بلادنا ..هم الذين يأخذونا الى مكان لا نريده..هم الذين قتلوا أمي وأبي "

أعترفت الحكومة الأمريكية بمقتل أربعة الآف أثناء الرحلة هذه ،لكنه أحصائية علمية حديثة ظهرت عام 1984 تحدثت عن أكثر من ثمانية الآف قتيل. في 26-3-1839 وصلت أول المجموعات الى الأرض التي أختيرت لهم ،حيث انتشرت بينهم الأمراض وحصدت العديد منهم من جديد كما مات العديد منهم بسبب الأنهاك .

جونالوسكا اقسم أن يعود كما جاء ،وفعلا عاد مشيا على الأقدام ،من أوكلوهاما الى كارولينا مسقط رأسه،حيث ظل بعيدا عن أعين البيض حتى توفي عام 1858. وقد تذكرته الحكومة الأمريكية بعد موته بفترة طويلة ،ونقلت رفاته ورفات زوجته الى أقليم قراهام في شمال كارولينا ،حيث توجد لائحة برونزية على قبره كتب عليها ما يلي :"هنا يرقد جسد الزعيم جونالوسكا وجسد زوجته نيلسي،هذا المخلص الشجاع الذي انقذ حياة الجنرال أندرو جاكسون ،ومن أجل ذلك منح الجنسة الأمريكية وأرضا في أقليم قراهام"!!.

وبهذه الطريقة حاولت أن تغسل أمريكيا العار الذي أرتكبته في حق هذا الزعيم..وهل كل عار يغسل؟

أما أندرو جاكسون فقد تم تكريمه على فئة العشرين دولارا وفي الماضي على الخمسة والعشرة والخمسين والعشرة الآف دولار،كما تم تكريمه على أحد الطوابع الأمريكية ،كما بنيت له العديد من التماثيل في مختلف المدن الأمريكية .

اما الجنرال وينفيلد سكوت فقد جرت ترقيته وعين قائدا للجيش الأمريكي بعد ثلاث سنوات من هذه الجريمة، كما نال تكريما أستثنائيا من قبل أبراهام لنكولن ، كما بنيت له العديد من التماثيل ،قبل فترة أعترض أحفاده على خطأ في أحد التماثيل ،فتم أصلاح الخطأ حالا.

في عام 2004 وفي محاولة لتبييض التاريخ الأمريكي الأسود ،تقدم السيناتور الأمريكي سام بروان باك بقرار لمجلس الشيوخ يقترح فيه تقديم أعتذار من قبل الحكومة الأمريكية لقبائل الشيروكي عن هذه الجريمة ،لكن مجلس الشيوخ لم يتخذ قرارا بعد في هذا الشأن.
http://www.shbabmisr.com/?xpage=view&EgyxpID=11864
hamza nasir غير متصل   الرد مع إقتباس