عرض مشاركة مفردة
غير مقروءة 27-07-2024, 06:52 AM   #3
رضا البطاوى
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Aug 2008
المشاركات: 7,045
إفتراضي

وقارن بين النظريتان فقال :
"مقارنة بين نظرية المشاكلة والمعاينة:
لا شك ان باستطاعة نظرية المعاينة ان تعول على ظاهر النص الذي يتحدث عن اعيان الوجود بأشكاله وعلاقاته المختلفة دون حاجة للتأويل، وان تفسيرها لهذا الظاهر يقوم على الباطن المتمثل بالقبلية الوجودية. فهي تتقبل الظاهر قبولاً تاماً، وتعترف ان ما تريده من تفسير يتطابق مع دلالة الظاهر من غير مخالفة. لكن التفسير لدى المعاينة هو غير التفسير لدى المشاكلة، فهذه الاخيرة تعتبر الظاهر الحرفي هو روح المعنى العام المشترك، حيث به تفسّر النص بعيداً عن الفهم الحسي حينما يتعلق الامر بالعالم الغيبي والالهي، في حين ان الامر مع المعاينة لا يحتاج الى مثل هذا التحويل، لانه يمكن التعويل على الفهم الحسي حتى عندما يتضمن النص ذكر صفات الحق وعلاقاته بخلقه فالفهم لدى المشاكلة يقوم على الظاهر العام غير المتعين، بينما الفهم لدى المعاينة قائم على الظاهر المنزل تنزيلاً بحسب ما عليه التعينات ومنها التعين الحسي. او يمكن القول ان الفهم لدى كل منهما لا بد ان يختلف عن الاخر بحكم ما تحدده قبلياتهما، فاذا كان الظاهر عندهما يدور حول المعنى الحقيقي للنص، سواء كان عاماً كما لدى المشاكلة او مشخصاً كما لدى المعاينة، فان الباطن المتمثل بهذه القبلية مختلف، فالباطن لدى نظرية المشاكلة يعبر عن قبلية المشاكلات بين المراتب الوجودية، بينما هو لدى المعاينة يعبر عن قبلية وحدة الوجود الشخصية والعلاقة بين الحق والاعيان الثابتة في الغالب. وانه اذا كانت نظرية المشاكلة منتزعة عن مشاكلات الوجود من جهة، وعن مشاكلات اللفظ الحرفي الظاهر من جهة ثانية، وبالتالي حقّ علينا ان نطلق عليها هذه التسمية، فانه قبال ذلك نجد نظرية المعاينة تستند - في الغالب - الى العينية الوجودية التي تفرزها نظرية وحدة الوجود الشخصية، سواء كانت هذه العينية تتمثل بعينية الحق في كل شيء، او انها عينية الاعيان الثابتة، كما وتستند الى حرفية اللفظ الذي له علاقة عينية مطابقة لما عليه الوجود، ومنه الوجود الحسي، الامر الذي دعانا الى ان نصك لها تلك التسمية.
ولايضاح الاختلاف في طريقة التفسير بين النظريتين نعود الى فكرة الصفات الالهية المذكورة في عدد من النصوص القرآنية والنبوية، والتي هي موضع اتفاقهما من حيث انها دالة على الجمع بين هيئتي التنزيه والتشبيه، ويمكن تلخيصها بقوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى/11 .. فاذا كان التنزيه متفقاً عليه بين النظريتين، كالذي يبدو من المقطع الاول للاية، الا ان التشبيه هو موضع الاختلاف بينهما. فبحسب نظرية المشاكلة ان المقصود من التشبيه هو ان لله صفاته التشبيهية المذكورة لكنها مجردة بحسب تشاكلات الوجود ومراتبه، فيد الله وعينه هي ليست كهذه الايدي والاعين الطبيعية، لكنها في الوقت ذاته غير منفية عنه، وانما لها من المرتبة الوجودية ما يجعلها ذات مكانة مقدسة علوية تنزلت عنها مراتب الايدي والاعين ومنها تلك التي نشهدها في الحس. وكذا يمكن القول ذاته في سائر الصفات، ومنها السمع والبصر والمجيء والهرولة والضحك والتعجب وغير ذلك من الصفات المنصوص عليها في القرآن والحديث. وهذا ما ذهب اليه صدر المتألهين، حيث جمع بين التنزيه والتشبيه ليوافق من سبقه من الاشراقيين وبعض العرفاء كالغزالي. وان كان يستخدم لهذا الغرض احياناً نصوص ابن عربي، حتى دون الاشارة اليه
أما المقصود من التشبيه لدى ابن عربي واتباعه فهو يعود بنا الى وحدة الوجود الشخصية عبر مرآتي الحق والخلق. فهناك ثلاثة محاور لهذه العلاقة، هي الحق والاعيان الثابتة والخلق، وبين هذه المحاور الثلاثة مسانخات بعضها يتضمن البعض الاخر، او ان بعضها يكون مرآة للبعض الاخر، فالاعيان الثابتة هي صور الحق، وهي من هذه الناحية تمثل ذات الحق من غير اختلاف، كما ان الخلق يمثل الاعيان عند ظهورها وتجليها، فالخلق مُشاكل لما عليه الاعيان، كما ان الخلق لا يظهر الا من حيث تجلي الحق، وبالتالي فالخلق يعبر عن صور تفاصيل الحق المتمثلة بالاعيان، لذلك فبالتجلي يكون الخلق حقاً، وكذا فان الحق خلق، مثلما هو الحال في العلاقة بين الحق والاعيان، حيث الحق هو الاعيان، والاعيان هي الحق.
وبحسب هذه التقابلات فان الحق عند التجلي قد اختفى في الخلق واظهره، كالمرآة التي تظهر الصورة وتختفي بسببها، مع ان كل ما يظهر من صور الخلق فانما هو الحق في تعيناته وشؤونه؛ كالذي تشير اليه الاية الكريمة: {كل يوم هو في شأن} الرحمن/29. او كما يقول ابن عربي انه اذا كان الحق هو الظاهر فالخلق مستور فيه، فاذا كان متجلياً في مرايا الاعيان لا يكون الظاهر الا هو، والاعيان باقية في الغيب على حالها من العدم الخارجي، وبذلك يكون الخلق جميع اسماء الحق كالسمع والبصر وجميع نسبه وادراكاته. أما إن كان الخلق هو الظاهر فالحق مستور باطن فيه، كالصورة الظاهرة التي تستر المرآة، وبذلك فان الحق يكون سمع الخلق وبصره ويده ورجله وجميع قواه وله في ذلك بيت من الشعر يقول فيه:
فالحق خلق بهذا الوجه فاعتبروا وليس خلقاً بذاك الوجه فادّكروا مما يعني ان الحق خلق حيث يظهر في المظاهر الخلقية ويختفي بها، مع ان المشهود غيباً وشهادة هو الحق الصرف لا غير، فالحق المنزه بهذا الاعتبار هو الخلق المشبّه، أما كونه ليس خلقاً فهو انه منزه عن الصفات الخلقية ومختف بحجاب عزته باق في غيبته لا يُشهد ولا يُرى، فكل ما يُشهد ويُرى انما هو خلق. أما اعتبار الحق مشبهاً بالخلق فهو لأن اطلاق الصفات يصح عليهما معاًً، فكما يصح ان يقال عن الخلق او العبد انه يسمع ويرى، فكذا يصح ان يقال عن الحق نفس القول، وهذا هو معنى التشبيه الذي جاء حول الاية الكريمة: {وهو السميع البصير}.
فكل صفات المحدثات والخلق حق للحق، مثلما ان كل صفات الحق حق ثابت للخلق، اذ الخلق يظهر بصفات الحق من اولها الى اخرها، خاصة الانسان الكامل او الحقيقة المحمدية مثلما يشير الى ذلك قوله تعالى: {ولقد كرمنا بني ادم} الاسراء/70، وقوله: {وعلم ادم الاسماء كلها} البقرة/31، وكذا ما جاء في الحديث: خلق الله ادم على صورته
اذن ان من ابرز مظاهر التشبيه التي اكدها ابن عربي هو التشبيه الذي يعبر عن الرتبة الخلقية التي يظهر فيها الحق بمختلف اشكال الصور، فيظهر بصور الايدي والاعين والسمع والبصر والكلام وغير ذلك، حيث ظهور الحق بصفات المحدثات والنقص والذم، واليه الاشارة في قوله تعالى: {كل يوم هو في شأن} الرحمن/29
فللاية دلالة على ظهور الحق بمظاهر المحدثات والنقص، وهي تعني ان من المحال ان تبقى الاشياء في العالم على حالة واحدة زمانين، بل تتغير عليها الاحوال والاعراض في كل لحظة، فهذه هي شؤون الحق لا غيراو ان الحق يظهر بصفات الفقر والحاجة كالذي يشير اليه قوله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} البقرة/245، او ما جاء في الحديث القدسي: جعتُ فلم تطعمني، مرضتُ فلم تعدني، ظمئتُ فلم تسقني مهما يكن فان استظهار النصوص التي تتعلق بالصفات الالهية لدى كل من نظرية المشاكلة والمعاينة؛ انما يدل على تعددية التفسير لظاهر النص الواحد. مع ان كلا النظريتين استهدفتا هدفاً واحداً مشتركاً هو التوفيق بين العينتين الدينية والوجودية، حيث الدينية بحسب الظاهر، والوجودية بحسب التفسير والباطن."
وبعد ذكر الفروق والخلافات انتهى الرجل إلى أن الفريقين اضطروا لممارسة التلفيق والتحريف لتغطية النقص عند كل منهم فقال :
"وعلى العموم ان اسلوب الجمع والتوفيق الذي لجأ اليه اصحاب نظريتي المشاكلة والمعاينة انما تمّ تبعاً لمبرر مبدأ الاعتبار، لكنه ادى في الكثير من الاحيان الى ان يكون اداة لممارسة التلفيق والاستغراق في المباطنة. كما تحول في احيان اخرى الى صيغة من صيغ استخدام التأويل وتحريف الآيات رغم الجهد الذي قدمه اولئك الاصحاب في ذم التأويل والانكار الشديد على المتأولين، ولزوم التمسك بالنص وترجيحه على الكشف عند التعارض"
رضا البطاوى غير متصل   الرد مع إقتباس