واختيار : ابن جرير الطبري ، وأبي المظفر السمعاني ، والبغوي ، وابن عطية ، وابن الجوزي والسيوطي والآلوسي ، والإمام محمد بن عبد الوهاب وعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ
قال البغوي :" جعلا له شريكا إذ سمياه عبد الحارث، ولمن يكن هذا إشراكا في العبادة، ولا أن الحارث ربهما؛ فإن آدم كان نبيا معصوما من الشرك، ولكن قصد إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد وسلامة أمة، وقد يطلق اسم العبد على من يراد به أنه معبود هذا، كالرجل إذا نزل به ضيف يسمي نفسه عبد الضيف، على وجه الخضوع، لا على وجه أن الضيف ربه، ويقول للغير أنا عبدك، وقال يوسف (ص) لعزيز مصر: { إنه ربي أحسن مثواي } ولم يرد به أنه معبوده، كذلك هذا ".
القول الثاني : أنه كان شركا في الطاعة ، ولم يكن شركا في العبادة .
وهذا هو المروي عن : ابن عباس ، وقتادة .
القول الثالث : أن الإشراك وقع من حواء لا من آدم (ص)، ولم يشرك آدم قط ، وأما قوله: { جعلا له شركاء فيما آتاهما } بصيغة التثنية فلا ينافي ذلك؛ لأنه قد يسند فعل الواحد إلى الاثنين ، بل إلى جماعة ، وهو شائع في كلام العرب .
وهذا قول القنوجي .
واعترض :
بأن الله تعالى قال : { جعلا } حيث نسب الجعل إليهما ، والأصل حمل اللفظ على ظاهره ، وبأن آدم (ص)قد أقر حواء على ذلك ، وبأن في حديث سمرة التصريح بأنهما سمياه بذلك معا.
أدلة هذا المذهب :
استدل القائلون بأن الآية معني بها آدم وحواء (ص) بأدلة منها :
الدليل الأول : حديث سمرة ، حيث أورده أصحاب هذا المذهب وجعلوه عمدة في تفسير الآية ، وقد صرح بعضهم بصحته، والبعض الآخر أورده وسكت عنه، وهو مشعر باعتماده له.
الدليل الثاني : أن هذا المذهب هو المروي عن سمرة ، وأبي بن كعب، وابن عباس رضي الله عنهم ، ومثل هذا لا يقال بالرأي ، فدل على أن للقصة أصل ؛ فيكون لها حكم الرفع .
الدليل الثالث : إجماع الحجة من أهل التأويل على أن المعني بالآية آدم وحواء .
حكى الإجماع ابن جرير في تفسيره."
وناقش الرجل الأقوال فقال :
"الإيرادات والاعتراضات على هذا المذهب :
اعترض على هذا المذهب بقوله تعالى في آخر الآية : { فتعالى الله عما يشركون } بصيغة الجمع ، فلو كان المراد آدم وحواء (ص) لقال : يشركان ، بصيغة التثنية ، وفي هذا دلالة واضحة بأن الآية معني بها الذرية لا آدم وحواء .
وقد أجاب بعض أصحاب هذا المذهب عن هذا الاعتراض : بأن آخر الآية معني بها مشركو العرب من عبدة الأوثان، وأن الخبر عن آدم وحواء قد انقضى عند قوله: { جعلا له شركاء فيما آتاهما } .
وهذا رأي ابن جرير الطبري ، والسيوطي ، وهو المروي عن السدي ، وأبي مالك .
المذهب الثاني : مذهب تضعيف الحديث ، وتأويل الآية في غير آدم وحواء:
حيث ذهب آخرون إلى تضعيف حديث سمرة ، وأن الشرك المذكور في الآية معني به غير آدم وحواء (ص).
واختلف هؤلاء بالمعني به على أقوال :
القول الأول : أن الشرك نسب إلى آدم وحواء ، والمعني به أولادهما ، كاليهود والنصارى ، والمشركين . وآدم وحواء بريئان من الشرك ، والآية فيها انتقال من ذكر النوع إلى الجنس؛ فإن أول الكلام في آدم وحواء ، ثم انتقل الكلام إلى الجنس من أولادهما .
وقد اشتهر هذا القول عن الحسن البصري .
وروي عن ابن عباس في إحدى الروايات عنه .
قال الحسن في تفسير الآية :" كان هذا في بعض أهل الملل ولم يكن بآدم ".
وعنه قال :" عني بهذا ذرية آدم من أشرك منهم بعده ".
وعنه قال :" هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادا فهودوا ونصروا ".
واختار هذا القول جمع من المفسرين ، والمحققين ، منهم :الزمخشري ، وأبو عبد الله القرطبي، والنسفي ، وابن جزي ، وابن القيم ، وابن كثير ، والثعالبي ، وأبو السعود ، والمباركفوري ، والسعدي ، والشنقيطي .
قال الزمخشري في قوله تعالى : { جعلا له شركاء } : " أي جعل أولادهما له شركاء ، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، وكذلك فيما آتاهما ، أي آتى أولادهما ، ....وآدم وحواء بريئان من الشرك ، ومعنى إشراكهم فيما آتاهم الله : تسميتهم أولادهم بعبد العزى ، وعبد مناة ، وعبد شمس ، وما أشبه ذلك ، مكان عبد الله ، وعبد الرحمن ، وعبد الرحيم ".
وقال الحافظ ابن كثير :" وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري في هذا ، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء ، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته ، .... فذكر آدم وحواء أولا كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين، وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس ؛ كما في قوله تعالى : { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين } وقال تعالى : { ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين }، ومعلوم أن المصابيح وهي النجوم التي زينت بها السماء ليست هي التي يرمى بها ، وإنما هذا استطراد من شخص المصابيح إلى جنسها ، ولهذا نظائر في القرآن ، والله أعلم ".
واعترض على هذا القول :
بأن فيه تشتيت للضمائر ، والأصل اتساق الضمائر وعودها لمذكور واحد .
القول الثاني : أن الآية معني بها المشركون من بني آدم عموما ، وليس فيها تعرض لآدم وحواء بوجه من الوجوه .
وهذا اختيار : النحاس، والقفال ، وابن حزم ، وابن العربي ، والرازي ، وابن المنير ، والقاسمي ، وابن عثيمين .
قال القفال :" ذكر الله تعالى هذه القصة على تمثيل ضرب المثل ، وبيان أن هذه الحالة صورة حالة هؤلاء المشركين في جهلهم ، وقولهم بالشرك ، وتقرير هذا الكلام ، كأنه تعالى يقول: هو الذي خلق كل واحد منكم من نفس واحدة ، وجعل من جنسها زوجها ، إنسانا يساويه في الإنسانية ، فلما تغشى الزوج زوجته ، وظهر الحمل ؛ دعا الزوج والزوجة ربهما لئن آتيتنا ولدا صالحا سويا لنكونن من الشاكرين لآلائك ونعمائك ؛ فلما آتاهما الله ولدا صالحا سويا جعل الزوج والزوجة لله شركاء فيما آتاهما ؛ لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع ، كما هو قول الطبائعيين ، وتارة إلى الكواكب كما هو قول المنجمين ، وتارة إلى الأصنام والأوثان كما هو قول عبدة الأصنام ، ثم قال تعالى : { فتعالى الله عما يشركون } أي تنزه الله عن ذلك الشرك ".
واعترض هذا القول :
1 بأن قوله تعالى : { هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها } لا يصح حمله على غير آدم وحواء
2 وبقوله : { دعوا الله ربهما } فإن كل مولود يولد بين الجنسين لا يكون منهما عند مقاربة وضعه هذا الدعاء
القول الثالث : أن المشركين كانوا يقولون: إن آدم (ص)كان يعبد الأصنام ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها ، فذكر تعالى قصة آدم وحواء (ص)وحكى عنهما أنهما قالا: { لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين } أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولدا سويا صالحا لاشتغلوا بشكر تلك النعمة ، ثم قال: { فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء } فقوله : { جعلا له شركاء } ورد بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد والتقرير ، والمعنى :أجعلا له شركاء فيما آتاهما؟ ثم قال : { فتعالى الله عما يشركون } أي تعالى الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون بالشرك وينسبونه إلى آدم عليه السلام.
ذكر هذا التأويل : الفخر الرازي في تفسيره.
ويرده : أن الآية وردت بصيغة الخبر ، وحملها على معنى الاستفهام يفتقر إلى دليل ، وليس ثمة دليل .
القول الرابع : أن الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله (ص)، وهم آل قصي ، والمراد من قوله: { هو الذي خلقكم من نفس واحدة } قصي ، وجعل من جنسها زوجها ، عربية قرشية ليسكن إليها ، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي جعلا له شركاء فيما آتاهما ، حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف ، وعبد العزى ، وعبد قصي ، وعبد اللات ، وجعل الضمير في { يشركون } لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك .
ذكر هذا التأويل: الزمخشري واستحسنه ، واختاره البيضاوي ، وأشار إليه الفخر الرازي في تفسيره.
الإيرادات والاعتراضات على هذا القول :
قال ابن جزي :" وهذا القول بعيد لوجهين : أحدهما : أن الخطاب على هذا خاص بذرية قصي من قريش ، والظاهر أن الخطاب عام لبني آدم . والآخر : أن قوله : { وجعل منها زوجها } ، فإن هذا يصح في حواء ؛لأنها خلقت من ضلع آدم ، ولا يصح في زوجة قصي ".
القول الخامس : أن الضمير في قوله : { جعلا } راجع إلى الولد الصالح ، والمعنى جعل ذلك الولد الصالح الذي رزقهما الله إياه جعل لله شركاء ، وإنما قال: { جعلا } ؛ لأن حواء كانت تلد في كل بطن ذكرا وأنثى .
ذكر هذا التأويل : الجصاص ، وابن الجوزي .
أدلة هذا المذهب :
استدل القائلون بأن الآية معني بها غير آدم وحواء (ص) بأدلة منها :
|