عرض مشاركة مفردة
غير مقروءة 12-07-2022, 09:05 AM   #2
رضا البطاوى
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Aug 2008
المشاركات: 7,048
إفتراضي

قال تعالى: { .. ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى} وقال تعالى: {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى .... } وقال تعالى: { .... ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ... } وقال تعالى: {أم لم ينبا بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى}
يتضح من خلال النصوص المذكورة آنفا أن الإنسان لا يؤاخذ بذنب إنسان آخر مهما قرب منه أو بعد, بل يؤخذ بذنبه فقط ويعاقب على جرمه فحسب, ويعني هذا أنه مسؤول عن عمله، وهذا يدعوه إلى أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه غيره, وأن يزن أعماله قبل أن توزن عليه.
ومن أجل تحقيق المسؤولية التربوية الفردية، أوجب الإسلام على كل فرد مسلم أن يطلب العلم، وهذا يعني أن المسلم في عملية تعليمية مستمرة مهما بلغ علمه أو سنه, فقد ورد عن النبي - أنه قال: (ما يزال العالم عالما ما طلب العلم فإن ظن أنه علم فقد جهل)
وقد ورد في بيان فضل العلم والعلماء ما يلي: "تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية, وطلبه عباده، ومذاكرته تسبيح, والبحث عنه جهاد, وتعلمه لمن لا يعلم صدقة, وبذله لأهله قربة, لأنه معالم الحلال والحرام ومنار سبل أهل الجنة, وهو الأنيس في الوحشة, الصاحب في الغربة, والمحدث في الخلوة, والصبر على السراء والضراء, والسلاح على الأعداء, والزينة عند الأخلاء. يرفع الله به أقواما، فيجعلهم في الخير قادة تقتفى آثارهم, ويقتدى بفعالهم, وينتهى إلى أمرهم, ترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم, ويستغفر لهم كل رطب ويابس, وحيتان البحر وهوامه, وسباع البر وأنعامه كيف لا والعلم حياة القلوب من الجهل, ومصابيح الأبصار من الظلم، يبلغ العبد به منازل الأخيار والدرجات العلا في الدنيا والآخرة, التفكير فيه يعدل الصيام, ومدارسته تعدل القيام، به توصل الأرحام, وبه يعرف الحلال من الحرام, وهو إمام العمل والعمل تابعه، يلهمه السعداء ويحرم منه الأشقياء
إذن فإن طلب العلم في الإسلام لا يتوقف عند حد معين ولا بسن محددة. والمراد هنا العلم بمعناه الواسع الذي يشمل أمر الدين والدنيا وهذا يشير إلى أن الإسلام أول نظام فرض إلزامية تعليم الصغار والكبار، وما موقف الإسلام من أسرى بدر إلا تجسيدا لموقف الإسلام من قضية التعليم والتعلم, وكان المسجد أولى المؤسسات التربوية التي أنشأها الإسلام."
إذا مسئولية الأبناء في الطفولة هى تعلم العلم ولن نتكلم عن حكاية استغفار المخلوقات كالحيتان لطالب العلم وخلة الملائكة فهو كلام باطل فالملائكة من تستغفر للمؤمنين كما قال تعالى :
"الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا"
والملائكة لا تنزل الأرض لخوفها وعدم اطمئنانها ومن ثم فهى لا تضع أجنحتها طلبا لرضا الطالب كما قال تعالى :
" قل لو كان فى الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا"
وحدثنا عن مسئولية العاملين بالمساجد فقال :
"[ج] مسؤولية المسجد:
إن المسجد في المجتمع الإسلامي له رسالة تربوية كبيرة, فقد كان في عهد رسول الله - وصحابته الكرام رضوان الله عليهم أجمعين وما زال مكانا طاهرا، يذكر فيه اسم الله، ويجتمع فيه المسلمون خمس مرات كل يوم لأداء الصلاة, يلتقون فيه ليتعلموا أمور دينهم ويبحثوا فيه أمور دنياهم
فكان المنطلق الرئيسي لنشاط المسلمين في كل جانب من جوانب الحياة, السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، والاجتماعية، والتربوية
فكما أن في الجهاد عزيمة صادقة, تفانيا، وتضحية، وقوة دافعة تحدث إصلاحا في سبيل الله، فكذلك العلم الذي يتعلمه المسلمون في المسجد أو يعلمونه، فإن فيه خيرا كثيرا وبركة، إذا أقدموا عليه صلح مجتمعهم واستقام, وللمساجد أسوة حسنة في المسجد النبوي الشريف.
لكن المسجد في مجتمعنا المعاصر فقد رسالته التي كان عليها في المجتمع الإسلامي الأول، وذلك لأن كثيرا من القائمين عليه أو المسؤولين عن إدارته، لا يدركون معنى التوحيد في الحياة, فقد أصبح المسجد مكانا يؤدي فيه المسلمون الصلاة ثم ينصرفون, يدخل المصلون في صمت ويخرجون في صمت, لا يتعارفون، ولا يتناصحون, ولا يثيرهم ما يحيط بهم من نقص في الأخلاق والنظام والمثابرة وحب العمل, وحتى خطبة الجمعة التي ينبغي أن تهدف إلى شحذ همم المسلمين، ولفت أنظارهم للعمل الصالح في حياتهم، أصبحت تكرارا لكلام معروف، أداء للواجب المحدد, لا تحل مشكلة ولا تثير اهتماما.
وإذا قارنا ما يحدث في مساجدنا اليوم بما كان يحدث في مساجدنا بالأمس لوجدنا فارقا كبيرا، فقد كان المسجد مؤسسة تعليمية, علاوة على كونه مكانا لأداء الصلوات, فالدراسة في الجامع الأزهر, مثلا، لم تكن تقتصر في عصور نشأته الأولى على الفقه وعلوم الدين بل درس فيه الطب، والمنطق، والرياضيات.
فكان ابن الهيثم يشتغل بالتصنيف والنسخ والإفادة في الجامع الأزهر, وكذلك كان الحال في المساجد الأخرى كجامع عمرو بن العاص, وجامع ابن طولون, وجامع المنصور ببغداد, والمسجد الأموي بدمشق, والمسجد الجامع بقرطبة, والجامع الكبير بصنعاء, وذلك بالإضافة إلى المسجد الحرام بمكة، والمسجد النبوي الشريف بالمدينة
وكان تلقي العلم بالمساجد كالدخول إليها لأداء الصلاة، غير مقيد بقيود، ولكل إنسان الحق في الاستماع إلى أي درس يلقى فيها, ما دامت لديه الرغبة في العلم والقدرة على الفهم, كما كان تلقي العلم في تلك المساجد يتم على هيئة حلقات تعليمية, وقد وضع أسس تلك الحلقات علماء الصحابة الذين استقروا في حواضر البلاد الإسلامية, من أمثال أبي الدرداء، وأبي ذر الغفاري، وأبي موسى الأشعري، وأبي بن كعب. فكان أبو الدرداء مثلا، يجلس في جامع دمشق بعد صلاة الظهر حيث يجتمع الناس للقراءة عليه, وكان ينظمهم عشرة عشرة، ويجعل على كل عشرة عريفا, ثم يقف في المحراب يراقبهم بحيث إذا أخطأ أحدهم رجع إلى العريف، وإذا أشكل على العريف شيء رجع إلى أبي الدرداء, وبلغ عدد الطلبة في حلقة أبي الدرداء ألفا وستمائة ونيفا، لكل عشرة منهم مقرئ فما أحوجنا اليوم إلى أن تعاد مساجدنا إلى ما كانت عليه مراكز إشعاع حضاري، يتلقى فيها المسلم علوم الدين والدنيا، لا يشعر أن أحدهما منفصل عن الآخر، ويربى فيها على أخلاقيات الإسلام ومبادئه وتعاليمه."
والحقيقة أن كل الكلام المذكور عن مسئولية العاملين بالمساجد نحو الطفال هو ضرب من الوهم نتج عن كمية رهيبة من الروايات الكاذبة التى تبين أن للمسجد وظائف متعددة بينما الله حدد له في كتابه وظيفة واحدة وهى :
" ذكر اسم الله أى قراءة القرآن وهى الصلاة كما قال تعالى :
"فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له بالغدو والأصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله "
الغريب أن الله حدد الداخلين للمساجد العامة بكونهم رجال وليس أطفال ومن ثم ليس على العاملين بالمساجد العامة مسئولية تجاه الأطفال
وتحدث عن مسئولية العاملين بالمدرسة فقال :
[د] مسؤولية المدرسة:
المدرسة هي تلك المؤسسة التربوية التي يقوم المجتمع بإنشائها لتربية أبنائه وتنشئتهم وفقا لقيم المجتمع وتقاليده وعاداته, وعلى ذلك فالمدرسة مسؤولة عن تزويد المجتمع بصورة مستمرة بأفراد متمسكين بالمبادئ الإسلامية ولديهم القدرة على توجيه المجتمع في الاتجاه السليم وتصحيح الجوانب السلبية في ذلك المجتمع
ولتحقيق ذلك فإن المدرسة يجب أن تكون صورة مصغرة لما يجب أن يكون عليه المجتمع المسلم, فمدير المدرسة ووكليها ومدرسوها, يجب أن يكونوا بمثابة القدوة الحسنة التي يقتدي بها الطلاب في سلوكياتهم, ومناهج المدرسة يجب ألا تتضمن إلا ما من شأنه تكوين الفرد المسلم وإعداد الإنسان الصالح, والأنشطة المدرسية يجب أن يكون لها أهداف محددة ومرغوبة من الناحية الإسلامية, وهكذا فإن المدرسة تتحول كلها إلى خلية تسعى نحو تكوين تلك الشخصية المسلمة التي يتمثل فيها الإسلام قولا وعملا.
فالمدرسة ـ إذن ـ هي تلك البيئة التي ائتمنها المجتمع على أبنائه, وأودعها إياهم لتنشأتهم على تلك المبادئ التي اعتنقها ذلك المجتمع وارتضاها لنفسه.

رضا البطاوى غير متصل   الرد مع إقتباس