لعق الأصابع والأكل بثلاث أصابع ليس حكما من عند الله وهو يناقض أحاديث الأكل باليمنى التى لم تحدد أصابع في اليمنى للأكل والغالب عند الناس هو الأكل بإصبعين السبابة والإبهام ونادرا ما يأكل أحد بغيرهما
ثم تحدث عن الأكل مما أمام الفرد فقال :
"7 - الأكل مما يليه:
والمقصود به كراهة جولان يده في الإناء إذا كان معه غيره وكان الطعام واحدا أما إذا كان وحده فلا بأس أو كان الطعام متنوعا فلا بأس لأن نفوس الناس تتقذر من جولان اليد بهذه الصفة وهو دليل الشراهة في الأكل وسوء العشرة ودليل الكراهة ما تقدم من حديث عمر بن أبي سلمة وهو مخرج في الصحيحين أنه قال: كنت غلاما في حجر رسول الله (ص)- وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله (ص)«يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك» وانظر المبحث الآتي ففيه مزيد بيان"
والأكل مما أمام الإنسان فقط يناقض إذا كانت الأصناف متنوعة ولا يمكن وضعها أمام الفرد وإنما توضع على صفين أو ثلاثة أمامه وساعتها يأكل من اى منها قريبة أو بعيدة
ثم تحدث عن الأكل من جوانب الإناء فقال :
"8 - الأكل من جانب الإناء وترك الابتداء بالسوط:
وههنا حكمة مذكورة في نفس الدليل وهي نزول البركة وهذه مسألة غيبية
فقد أخرج أبو داود والترمذي عن ابن عباس عن النبي (ص)قال: «إذا أكل أحدكم طعاما فلا يأكل من أعلى الصحفة ولكن ليأكل من أسلفها؛ فإن البركة تنزل من أعلاها»
وفي رواية «البركة تنزل وسط الطعام فكلوا من حافتيه ولا تأكلوا من وسطه»
وفي حديث عبد الله بن بسر قال: كان لرسول الله (ص)قصعة يقال لها: الغراء يحملها أربعة رجال فلما أضحوا وسجدوا الضحى أتي بتلك القصعة - يعني وقد ثرد فيها - فالتفوا عليها فلما كثروا جثا رسول الله (ص)- فقال أعرابي: ما هذه الجلسة؟ فقال النبي (ص)«إن الله جعلني عبدا كريما ولم يجعلني جبارا عنيدا» ثم قال رسول الله (ص)«كلوا من حواليها ودعوا ذروتها يبارك فيها»
قال الخطابي رحمة الله: (قد ذكر في هذا الحديث أن النهي إنما كان عن ذلك من أجل أن البركة إنما تنزل من أعلاها وقد يحتمل أيضا وجها آخر وهو: أن يكون النهي إنما وقع عنه إذا أكل مع غيره وذلك أن وجه الطعام هو أطيبه وأفضله فإذا قصده بالأكل كان مستأثرا به على أصحابه وفيه من ترك الأدب وسوء العشرة ما لا خفاء به فأما إذا أكل وحده فلا بأس به) "
وهذا الكلام عن البركة باطل فالبركة وهى الفائدة في الطعام نفسه وليس في وسط الطبق أو الصحن ولو صدقنا الأحاديث فالمفروض هو ألأكل من وسط الطعام وليس من أطرافه لأن البركة في الوسط ومن ثم فالأحاديث متناقضة بطلبها الأكل من الأطراف وترك الوسط المبارك
ثم تحدث عن عدم الشبع فقال :
9 - عدم الشبع:
تقدم أن الله سبحانه أباح لنا الكل من الطيبات وأنه سبحانه مع ذلك قال: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} وفي آية أخرى قال سبحانه: {وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} ففي هاتين الآيتين إرشاد منه سبحانه إلى الأكل الذي به قوام الجسد والاعتدال فيه منعا من الضرر المترتب على الشبع حتى قال بعضهم: جمع الله الطب كله في هذه الآية
وفي الصحيحين أن عبد الله بن عمر كان لا يأكل حتى يؤتى بمسكين يأكل معه فأدخل عليه نافع مولاه رجلا يأكل معه فأكل كثيرا فقال: يا نافع لا تدخل هذا علي سمعت رسول الله (ص)يقول: «المسلم يأكل في معى واحد والكافر - أو المنافق - يأكل في سبعة أمعاء»
وعن المقدام بن معد يكرب قال: سمعت رسول الله (ص)يقول: «ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه»
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص)«طعام الاثنين كافي الثلاثة وطعام الثلاثة كافي الأربعة»
وجاء عن أبي جحيفة قال: تجشأت عند النبي (ص)فقال: «ما أكلت يا أبا جحيفة؟» فقلت: خبزا ولحما فقال: «إن أطول الناس جوعا يوم القيامة أكثرهم شبعا في الدنيا»
فإذا كان المسلمون ملتزمين بهذا الأدب صدق عليهم أنهم أمة لا تمرض؛ لأنهم لا يأكلوا حتى يجوعوا وإذا أكلوا لا يشبعوا وتقدم في كلام ابن القيم الذي سبق نقله في المقدمة ذكر بعض مضار الشبع بما يغني عن إعادته هنا"
الأكل مع عدم الشبع هو أمر مفيد لأن التخمة وهى الشبع ضارة في كل الأحوال وأما أمر كون الكافر يأكل سبع أمثال المسلم فهى ليست مسلمة أو بديهية لأن هناك من الكفار من يأكل قليلا ككهنة بعض الديانات التى تعتمد الصوم كالبوذية والنصرانية وحاليا الكافرات بعضهن يمارسن الحمية الغذائية بالأكل القليل للحفاظ على النحافة أو لتقليل الوزن
وكرر الحديث عن لعق الأصابع فقال :
"10 - لعق الأصابع:
دلت النصوص الشرعية على سنية لعق الأصابع سواء من قبل الآكل نفسه أو غيره وذلك قبل غسلها أو لحسها بالمنديل إذ لعل البركة تكون فيها وهذه أيضا مسألة غيبية وقد تكون هناك حكمة لا ندركها وقد سمعنا أن اليد تفرز إفرازات تساعد على هضم الطعام فإن صح هذا فهو من الإعجاز العلمي الذي يعنى بتتبعه بعض الباحثين ولكن هذا لا يؤثر - سواء ثبت أم لا - على اعتبار هذا الفعل سنة يثاب عليها المسلم إذا كان ممتثلا لقول النبي (ص)ومتأسيا بفعله
ففي الصحيحين من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله (ص)«إذا أكل أحدكم فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها»
وفي صحيح مسلم من حديث جابر أن النبي (ص)أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال: «إنكم لا تدرون في أية البركة»
وفي رواية: «إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه البركة»
وتقدم في مبحث الكل بثلاث أصابع قول أنس -فيما رواه مسلم - إن رسول الله (ص)«كان إذا أكل طعاما يلعق أصابعه الثلاث»
وقد جاء الحث على لعقها أيضا من حديث كعب بن مالك وأبي هريرة "
واللعق كما سبق الحديث ليس فيه أمر من الله وإنما هو على حسب تقبل الآكل له وأما فائدته أو ضرره فهذا منوط بما على اليد نفسها ومن ثم فهناك لعق يفيد وهناك لعق يضر عندما تكون اليد غير مغسولة جيدا أو أصابها غبار
وتحدث عن حمد الله في نهاية الأكل فقال :
11 - الحمد في آخر الطعام:
تقدم في مبحث «الغذاء عبادة» أن مسلما أخرج في صحيحه من حديث أنس أن رسول الله (ص)قال: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها» وقد وردت عدة صيغ للحمد في آخر الطعام
فأخرج البخاري في صحيحه عن أبي أمامة الباهلي أن النبي (ص)كان إذا رفع مائدته قال: «الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغني عنه ربنا»
وفي رواية: «الحمد لله الذي كفانا وأروانا غير مكفي ولا مكفور»
و في رواية: «لك الحمد ربنا غير مكفي ولا مودع ولا مستغني ربنا»
والمكفي قيل: هو المقلوب وقال الخطابي: (غير مكفي ولا مودع ولا مستغني عنه معناه: أن الله سبحانه هو المطعم والكافي وهو غير مطعم ولا مكفى قال الله تعالى: {وهو يطعم ولا يطعم} وقوله: «ولا مودع» أي غير متروك الطلب إليه والرغبة فيما عنده ومنه قوله تعالى: {ما ودعك ربك} أي: ما تركك ومعنى المتروك: المستغنى عنه: «ولا مكفور» لا نكفر نعمتك علينا بهذا الطعام) قال ابن الأثير : (فعلى هذا التفسير الثاني يحتاج أن يكون قوله: «ربنا» مرفوعا أي: ربنا غير مكفي ولا مودع ولا مستغني عنه
وعلى التفسير الأول يكون «ربنا» منصوبا على النداء المضاف وحرف النداء محذوف أي: يا ربنا
ويجوز أن يكون الكلام راجعا إلى الحمد كأنه قال: حمدا كثيرا مباركا فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغني عنه أي: عن الحمد ويكون «ربنا» منصوبا أيضا كما سبق) اهـ
وأخرج أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك أن رسول الله (ص)قال: «من أكل طعاما ثم قال: الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه»
وأخرجا أيضا عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله (ص)إذا فرغ من طعامه قال: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين»
وأخرج أبو داود عن أبي أيوب الأنصاري قال: كان رسول الله (ص)إذا أكل أو شرب قال: «الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجا» "
|