...فهذه الأمور كلها واجبة الإقامة بجميع الجوارح وحسب الطاقة، يقول ابن رجب الحنبلي :" فالفرض منها – أي النصيحة - مجانبة نهيه وإقامة فرضه بجميع جوارحه ما كان مطيقا له، فإن عجز عن الإقامة بفرضه لآفة حلت به من مرض أو حبس، أو غير ذلك عزم على أداء ما افترض عليه متى زالت عنه العلة المانعة له، قال الله عز وجل:" ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم" فسماهم محسنين لنصيحتهم لله بقلوبهم لما منعوا من الجهاد بأنفسهم، وقد ترفع الأعمال كلها عن العبد في بعض الحالات ولا يرفع عنهم النصح لله، فلو كان من مرض بحال لا يمكنه عمل شيء من جوارحه بلسان ولا غيره غير أن عقله ثابت لم يسقط عنه النصح لله بقلبه وهو أن يندم على ذنوبه، وينوي إن صح أن يقوم بما افترض الله عليه ويجتنب ما نهاه عنه وإلا كان غير ناصح لله بقلبه"
...إذا فالنصيحة لله منقسمة إلى ما أوجبه الشرع في حق الله، فيكون واجبا، وإلى ما استحبه، فيكون من النصيحة المستحبة."
وكل هذا الكلام يتناسى معنى أن النصح لله وليس النصح للإنسان فكل ما قاله بلامين ومن نقل عنهم يتحدث عن نصيحتهم لفنسان فهو المطلوب منه العبادة والإيمان وغيره مما قالوا
وشرح معنى النصح للكتاب فقال :
2 – النصيحة للكتاب:
ومعنى ذلك أن يعطى القرآن حقه، و يوقن بأنه كلام الله تعالى، وأنه الحجة البالغة إلى قيام الساعة.وأن هذا القرآن فيه الهدى والنور، قال تعالى: " إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم" الإسراء 5
وكذلك:
" 1 – الإيمان بمتشابهه كالإيمان بمحكمه
2 – العمل بما جاء به من أحكام وتشريعات.
3 – الدفاع عنه عند طعن الطاعنين، وتأويل المحرفين، ولا يتم ذلك إن اتخذنا القرآن الكريم الذي هو مصدر علوم الأولين والآخرين وراء ظهورنا، أو زينا به حجراتنا ومراكبنا على هيئة تمائم وتعاويذ...."
يقول الإمام النووي كلاما نفيسا جامعا لما ينصح به كتاب الله تعالى: " وأما النصيحة لكتابه سبحانه وتعالى فالإيمان بأنه كلام الله تعالى وتنزيله لا يشبهه شيء من كلام الخلق، ولا يقدر على مثله أحد من الخلق، ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوته وتحسينها والخشوع عندها وإقامة حروفه في التلاوة والذب عنه لتأويل المحرفين وتعرض الطاعنين والتصديق بما فيه، والوقوف مع أحكامه، وتفهم علومه وأمثاله، والاعتبار بمواعظه، والتفكر في عجائبه، والعمل بمحكمه، والتسليم لمتشابهه، والبحث عن عمومه وخصوصه وناسخه ومنسوخه، ونشر علومه"
وهذا الكلام هو خبل صريح ممن قالوا فالنصيحة للكتاب من معناها وهو بيان الحق من الباطل لا تنفع مع الكتاب لأن الكتاب هو من يبين الحق من الباطل والنصح للكتاب هو أمر جنونى تماما فليس بإنسان حتى ننصحه ليتبع الكتاب والكتاب لا يتبادل الحديث مع الناس حتى يسمع نصحهم
وأما النصيحة للرسول(ص) فقد شرحها بالقول:
"3 – النصيحة للرسول:
قال الإمام النووي:" وأما النصيحة للرسول الله (ص)فتصديقه على الرسالة، والإيمان بجميع ما جاء به، وطاعته في أمره ونهيه، ونصرته حيا وميتا، ومعاداة من عاداه وموالاة من والاه، وإعظام حقه وتوقيره، وإحياء طريقته وسنته، وبث دعوته ونشر شريعته ونفي التهمة عنها واستثارة علومها، والتفقه في معانيها والدعاء إليها، والتلطف في تعلمها وتعليمها وإعظامها وإجلالها، والتأدب عند قراءتها، والإمساك عن الكلام فيها بغير علم، وإجلال أهلها لانتسابهم إليها، والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه، ومحبة أهل بيته وأصحابه، ومجانبة من ابتدع في سنته أوتعرض لأحد من أصحابه ونحو ذلك"
ومن النصيحة للرسول (ص)أن يؤمن العبد بأنه -عليه الصلاة والسلام- هو خاتم الأنبياء والمرسلين، وأن كل دعوة للرسالة بعده -عليه الصلاة والسلام- كذب وزور وباطل وطغيان، وأنه يحب -عليه الصلاة والسلام- لأمر الله جل وعلا بذلك، فتقدم محابه على محاب العبد."
وكما خالف بلامين معنى النصيحة الذى ذكره وهو إخلاص النية من الغش للمنصوح فى الله وكتابه خالف فى الرسول (ص) فذكر أن المعنى الإيمان به وطاعته وهو ما يخالف أنه تذكيره بالحق
والنصيحة للرسول (ص) تكون فى حياته واما بعد موته فلا مجال لها ثم قال:
"4 – النصيحة لأئمة المسلمين:
أما لفظ "ولي الأمر" فإنه في الأصل يعنى به الإمام العام للمسلمين؛ لأن ولاة الأمر في عهد الخلفاء الراشدين، وفي عهد معاوية، كانوا يجمعون بين فهم الدنيا وفهم الشريعة.
وأما بعد ذلك فقد قال العلماء: إن ولاة الأمر -كلا فيما يخصه - ، هم العلماء والأمراء؛ فالأمراء في الأمور الدنيوية وكل ما يتعلق بالمسلمين العامة، والعلماء في الأمور الدينية.
العلماء:
والنصيحة لهم - يعني العلماء- أن تحبهم لأجل ما هم عليه من الدين، وما يبذلون للناس من العلم والخير، وأن ينصروا فيما يقولونه من أمر الشريعة، وفيما يبلغونه عن الله -جل وعلا-، وأن يذب عنهم ، وعن أعراضهم، وأن يحبوا أكثر من محبة غيرهم من المؤمنين؛ لأن الله - جل وعلا- عقد الولاية بين المؤمنين بقوله: " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض"
يعني: بعضهم يحب بعضا، وينصر بعضا، ومن المعلوم أن أعلى المؤمنين إيمانا هم الراسخون في العلم، أو هم أهل العلم العاملون به، كما قال -جل وعلا-: "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات "
فالنصيحة لأهل العلم أن يحبوا، وأن يذب عن أعراضهم، وأن يؤخذ ما ينقلونه من العلم، وأن ينصروا فيما نصروا فيه الشريعة ، وأن تحفظ لهم مكانتهم ، وهذه كلها حقوق واجبة لهم؛ لأن لهم في الملة مقام عظيم، وإذا طعن في أهل العلم، أو لم تبذل لهم النصيحة الواجبة بهذا المعنى، فإن ذلك يعني أن الشريعة تضعف في الهيبة في نفوس الناس؛ فإنه إذا نيل من العالم، أو لم ينصر، ولم يحترم فإن الشريعة تضعف في نفوس الناس، فإنه إنما ينقلها أهل العلم.وما أفلح قوم – والله – أهانوا علماءهم، واستخفوا بهم، وضربوا بأقوالهم عرض الحائط، وما تخلق رجل أهان من أعزه الله بفقه شريعته.
الأمراء والحكام:
قال الإمام النووي: "وأما النصيحة لأئمة المسلمين فمعاونتهم على الحق وطاعتهم فيه وأمرهم به، وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين، وترك الخروج عليهم، وتألف قلوب الناس لطاعتهم. قال الخطابي رحمه الله: ومن النصيحة لهم الصلاة خلفهم، والجهاد معهم، وأداء الصدقات إليهم، وترك الخروج بالسيف عليهم، إذا ظهر منهم حيف أو سوء عشرة، وأن لا يغروا بالثناء الكاذب عليهم، وأن يدعى لهم بالصلاح."
فالنصيحة لأئمة المسلمين أن يعطوا حقهم الذي أعطاهم الله -جل وعلا-، وبينه -تعالى- في الكتاب، وبينه رسول الله (ص)في السنة؛ من طاعتهم في المعروف، قال تعالى:" يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم "وعدم طاعتهم في المعصية ، لكن لا يجوز الخروج عليهم بسببها ،لقوله (ص)" ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة "و" من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية " وقال (ص) " على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " فلا يجوز منازعة ولاة الأمور ولا الخروج عليهم إلا أن يظهر منهم كفر بواح (أي ظاهر مكشوف) وكانت لهم قدرة على ذلك، أما إذا لم يكن عندهم قدرة فلا يخرجوا، أو كان الخروج يسبب شرا أكثر فليس لهم الخروج رعاية للمصالح العامة، وللقاعدة الشرعية المجمع عليها( أنه لا يجوز إزالة الشر بما هو شر منه بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه) وأما درء الشر بشر أكثر فلا يجوز بإجماع المسلمين.
أيضا من النصيحة لهم أن تنبههم على ما يخطئون فيه، وما يتجاوزون فيه الشرعية لمن وصل له، وهذه المرتبة -كما قال ابن دقيق العيد في شرحه وغيره-: هذه فرض كفاية تسقط بفعل البعض من أهل العلم ونحوهم.
وهذه النصيحة الخاصة لولاة الأمر لها شروط وضوابط:
|