وانتهى المسيميرى لتناقض الأحاديث فى المسألة فقال:
قلت: وقد سلك بعض أهل العلم إزاء هذه الأدلة المتعارضة مسلك الجمع وسلك آخرون مسلك ا لنسخ، فقالوا: أدلة الإباحة ناسخة لأدلة المنع، وإليك البيان:
قال ابن حجر (5/ 273): "فجمع بينها الطبري – أي: أدلة الجواز والمنع – بأن الامتناع فيما أهدي له خاصة – أي: النبي عليه السلام – والقبول فيما أهدي للمسلمين وفيه نظر لأن من جملة أدلة الجواز ما وقعت الهدية فيه له خاصة وجمع غيره بأن الامتناع في حق من يريد بهديته التودد والموالاة والقبول في حق من يرجى تأنيسه وتأليفه على الإسلام، وهذا أقوى من الأول، وقيل: يحمل القبول على من كان من أهل الكتاب، والرد على من كان من أهل الأوثان، وقيل: يمتنع ذلك لغيره من الأمراء، وأن ذلك من خصائصه، ومنهم من ادعى نسخ المنع بأحاديث القبول، ومنهم من عكس، وهذه الأجوبة الثلاثة ضعيفة فالنسخ لا يثبت بالاحتمال ولا التخصيص. ا. هـ.
قلت: ودعوى النسخ التي منعها ابن حجر قد أثبتها غيره كابن حزم القائل في (المحلى9/ 159): "فإن قيل: فأين أنتم عما رويتم من طريق ابن الشخير عن عياض بن حمار أنه أهدى إلى رسول الله (ص)هدية، فقال: "أسلمت؟ قلت: لا. قال: إني نهيت عن زبد المشركين". ومن طريق الحسين عن عياض بن حمار مثله، وقال: فأبى أن يقبلها. قال الحسن: زبد المشركين رفدهم.
قلنا: هذا منسوخ بخبر أبي حميد الذي ذكرنا؛ لأنه كان في تبوك، وكان إسلام عياض قبل تبوك، وبالله تعالى التوفيق.
قلت: وكذا قال بالنسخ الإمام الخطابي في تعليقه على سنن أبي داود، وينظر: فقه السنة لسيد سابق (3/ 537)."
وقطعا الهدية مقبولة ما لم تكن رشوة أو خاصة بالحاكم كالتهادى بين الجيران مختلفى الدين ففى حالة الرشوة ترفض وفى حالة الحاكم تعطى لبيت المال
ثم تحدث عن إهداء المسلم للكافر فقال:
"المبحث الرابع: الإهداء إلى المشرك:
الأصل في الإهداء للمشركين الجواز، وفي ذلك أحاديث صحيحة، منها:
أخرج الشيخان من حديث ابن عمر قال: رأى عمر حلة على رجل تباع، فقال للنبي (ص): ابتع هذه الحلة تلبسها يوم الجمعة، وإذا جاءك الوفد، فقال: "إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة، فأتى رسول الله (ص)منها بحلل فأرسل إلى عمر منها بحلة، فقال عمر: كيف ألبسها، وقد قلت فيها ما قلت؟ فقال: "إني لم أكسكها لتلبسها .. تبيعها أو تكسوها، فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم."
الحديث أساسا لا يصح لأنه كيف أهدى عمر للكافر والعلاقات مقطوعة بين الفريقين لكونهم متحاربين ؟
كما أن حالة المسلمين لم تكن تسمح خاصة المهاجرين بالإهداء وإنما كان الأقرب زوجته أو بناته ثم قال:
"قال النووي في شرحه على مسلم: "جواز إهداء المسلم إلى المشرك ثوبا وغيره وأخرجا كذلك عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: يا رسول الله قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله (ص)فاستفتيت رسول الله (ص)قالت: يا رسول الله، إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصل أمي؟ قال: نعم صلي أمك.
قلت: وفي هذه الأدلة وغيرها ما يفيد جواز الإهداء إلى المشرك والكافر بضوابط سيأتي ذكرها قريبا "
والحديث عام لا يدل على الهدية خاصة وإنما هو فى كل أنواع الصلة ثم تحدث عن ضوابط قبول هدايا المشركين والإهداء إليهم فقال :
"المبحث الخامس: ضوابط قبول هدايا المشركين والإهداء إليهم:
1 - ألا يترتب على قبول الهدية أو إهدائها مودة أو محبة؛ لقوله تعالى: "لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ... "
2 - ألا تكون الهدية بمثابة الرشوة كأن يكون المهدى إليه قد أهدي إليه بسبب توليه منصب أو جاه أو وظيفة يستفاد منها في إنجاز غرض غير مشروع كإحقاق باطل أو إبطال حق.
قال الجصاص في تفسيره (2/ 234) تعليقا على حديث ابن اللتبية المشهور "وقد دل على هذا المعنى قول النبي (ص) "هلا جلس في بيت أبيه وأمه فنظر أيهدى له أم لا؟ ".
فأخبر أنه إنما أهدي له؛ لأنه عمل ولولا أنه عامل لم يهد له، وقد روي أن بنت ملك الروم أهدت لأم كلثوم بنت علي امرأة عمر؛ فردها عمر ومنع قبولها" "
وهذه الأحاديث فى ردها الهدايا لصاحب المنصب تتعارض مع رواية قبول مارية وأختيها وكما قلت ترد لبيت المال إن لم ترجع لصاحبها ثم قال :
3 - ألا تكون الهدية مما يستعان به على الباطل من شرك أو كفر أو بدع أو معاصي كإهداء الصلبان أو الشموع للنصارى في أعيادهم وغيرها، أو إهداء آلات الطرب والغناء ونحوها
وبهذا المعنى منع إهداء الكفار والمشركين في أعيادهم حتى لا تكون تشجيعا لهم وإقرارا على باطلهم، فإن كان الإهداء لهم في يوم عيدهم تعظيما لليوم فهو جد خطير.
قال أبو حفص الحنفي: "من أهدى فيه بيضة إلى مشرك تعظيما لليوم فقد كفر بالله تعالى" (فتح الباري 2/ 315).
4 - أن يغلب على الظن وجود مصلحة في الإهداء إلى الكافر أو قبول الهدية منه كتأليف قلبه على الإسلام وتحبيب الدين إلى نفسه.
فقد جعل الشارع الحكيم أحد مصارف الزكاة دفعها إلى المؤلفة قلوبهم على الإسلام، وهي فريضة واجبة، فكيف بالهدية المندوبة في أصلها؟
5 - ألا يترتب على الإهداء إلى الكافر أو قبول الهدية منه مفسدة ظاهرة كاستكبار الكافر واستعلائه، أو تكون الهدية للكافر مبالغ فيها؛ لعموم النهي عن التبذير.
6 - ألا يترتب على الإهداء إلى الكافر تفويت مصلحة راجحة كسد حاجة مسلم مضطر؛ لأن البدء بالأهم فالأهم منهج شرعي حكيم وعام.
ويدل عليه حديث بعث معاذ إلى اليمن حيث أوصاه (ص)بقوله: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة ... " "
قطعا التهادى ضابطه هو أن تكون هدية لمن يحتاجها وأن تكون ليست من المحرمات وهى تعطى فى أى وقت
وتناول تعريف التهنئة فقال :
"المبحث السادس: تعريف التهنئة لغة واصطلاحا:
المطلب الأول: تعريف التهنئة لغة:
قال الفيروز آبادي في القاموس: "الهنيء والمهنأ: ما أتاك بلا مشقة ... وهنأه تهنئة وتهنيئا: ضد عزاه .. " (انظر: القاموس، لهنيء).
المطلب الثاني: تعريف التهنئة اصطلاحا:
ويمكن تعريف التهنئة بمعناها الاصطلاحي بأنها: " كلام رقيق يقوله المهنئ لمن يهنئه في مناسبة سارة يظهر به فرحه بهذه المناسبة"
والتهنئة هى دعاء لمن تتم تهنئته وإن لم تكن فى صورة دعاء مبدوء بيا رب أو يا الله أو غير هذا ثم تحدث عن حكمها فقال :
المبحث السابع: حكم قبول تهنئة الكفار للمسلمين:
لا يخلو الأمر من حالتين:
1 - إما أن يهنئونا بأعيادنا ومناسباتنا الخاصة، فهذا لا خلاف – فيما ظهر لي – بمشروعية قبوله؛ لأنهم هنؤونا بشيء مشروع في أصل ديننا، وبالضوابط الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
|