الموضوع: نهضة اليابان
عرض مشاركة مفردة
غير مقروءة 21-10-2010, 11:46 AM   #14
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,483
إفتراضي

القسم الرابع: الثقافة

الفصل التاسع: المايجي: ثورة ثقافية

تقديم: فرانك ب. غيبني/ شركة دائرة المعارف البريطانية/ شيكاغو

يستعرض الباحث في بحثه، الثورات التي حدثت في العالم منذ القرن الثامن عشر حتى وقت نشره لكتابه، فيذكر أن هناك خمس ثورات عالمية تركت آثاراً على مستوى العالم ولا زالت تترك. الثورة الأمريكية عام 1776، والثورة الفرنسية عام 1789، وثورة المايجي في اليابان عام 1868، والثورة الروسية عام 1917، والثورة الصينية عام 1949.

ولا يستخف الباحث بثورات عديدة حدثت في العالم كثورة محمد علي باشا في مصر وسوريا، وثورة (بوليفار وسان مارتين) في أمريكا الجنوبية، وثورة المكسيك وثورة كمال أتاتورك في تركيا. ولكنه يعتبر تلك الثورات ذات نطاق قومي محدود لا تتعدى حدود مناطق جغرافية معينة.

وعند تصنيفه للثورات، يعتبر الباحث أن الثورة الأمريكية قد جسدت فكرة الاستقلال من الاستعمار بإقامة جمهورية ديمقراطية فيدرالية على أساس سيادة القانون. والثورة الفرنسية، بشعارها (حرية، مساواة، إخاء) ما زالت تلهم الشعوب التي تنتفض عفوياً للانقضاض على الأوتوقراطية والامتيازات. وأعطت الثورة الروسية للعالم المثل الأعلى لدكتاتورية الطبقة العاملة. أما المفهوم الصيني للشيوعية، فإنه استبدل بالطبقة العاملة بالفلاحين. وعندما يتطرق الباحث للثورة اليابانية فإنه يسارع الى تصنيفها بالثورة الثقافية.

(1)

لا يريد الباحث وضع صفة مشتركة بين الثورة الثقافية اليابانية مع الثورة الثقافية الصينية التي أطلقها الشيوعيون بقيادة (ماو سي تونغ). فالثورة الثقافية اليابانية جاءت برضا الشعب بفصائله المختلفة، طلاب، علماء، تجار، صناعيون، ساموراي، الخ. في حين جاءت الثورة الثقافية الصينية من فئة معينة (الشيوعيون) من الأعلى الى الأسفل، وبإجبار الجميع بتبني تلك التغييرات، دون الالتفات الى ما يصبون إليه.

وعند تكييف مفهوم التغيير بالثورة، فإن الباحث يذكرنا بأن الثورة هي قطع لحالة حكم وتغييره جذرياً ابتداءً من هرمه ونزولاً الى قيادات المفاصل في جميع مناحي الحياة السياسية والاقتصادية وغيرها. وتذكيرنا هنا من قِبل الباحث، هو ردٌ ضمني على أن ثورة اليابان لم تكن من أعلى الهرم (الإمبراطور) برغبته بالتغيير، بل جاء من مختلف أنحاء الشعب، وإجبار الإمبراطور على القبول بهذا التغيير وتبنيه، حفاظاً على ثنائية محورية (الأصالة والحداثة).

يتطرق الباحث الى شعارات وأقوال الثوار الشبان، خصوصاً (الساموراي)، فيؤشر على قول (ليس هناك تاريخ ماضٍ في اليابان، فتاريخنا يبدأ اليوم).

ويذكر الباحث، تصنيفاً لفيلسوف التاريخ الإنجليزي (آرنولد توينبي) الذي يصف الثورة اليابانية بأنها (نزاع كلاسيكي بين [ الهيروديين] و [الزيلوت] وتلك الفئتان هما ما كان سائد في فلسطين عندما كان (هيرود أغريبا) حاكم الجليل الروماني يريد إدخال الثقافة الرومانية مع (زيلوت) المكآبي اليهودي المتعصب.

(2)

يعود الباحث لشرح ماذا تعني ثورة ثقافية بالتراضي، فيقول: أنا لا أعني أن كل امرئ في اليابان والى أي مهنة انتمى، قد اشترك في الزحف لإحداث الثورة، ولكن كان هناك شيء من الحماس في الجو.

كانت الثورتان الفرنسية والأمريكية سياسيتين بصورة رئيسية، بغض النظر عن الجوانب الاجتماعية والاقتصادية. وكانت الثورتان الروسية والصينية عقائديتين. أما في اليابان، فإن التغييرات الثقافية التي رافقت التحديث قد سبقت الثورة السياسية الفعلية، ثم غذتها كالنار في الهشيم عند اندلاعها.

من المفيد أن نأخذ بعين الاعتبار الأوضاع التي عمل مصلحو المايجي في ظلها. ففي عام 1868 كان يمكن تسمية اليابان عن حق بأنها (دولة إقطاعية) على نحو شبيه بأوروبا في القرون الوسطى. فقطع الرأس والموت على الخازوق والصلب كانت من العقوبات المعمول بها. وكان عامة الشعب معرضين للقطع إربا بسيف واحد من الساموراي بمجرد أن يتسببوا بإزعاجه.

ويدرج الباحث ثلاث مجموعات لعبت دوراً حاسماً في التهيئة للثورة:

1ـ أهل المدن الجدد: استطاع هؤلاء التجار ومقرضو المال والسماسرة والمالكون الجدد تكوين اقتصاد مالي جديد في أوائل القرن التاسع عشر، وتبديل المجتمع الزراعي الياباني الى آخر تجاري. كما أوجدوا خلال ذلك، ثقافة مدنية شعبية كانت تمهيداً لمجتمع حديث من الطبقة الوسطى.

2ـ المفكرون الجدد: انطلاقاً من العقيدة (الكونفوشية) الأصلية، عكفت أجيال من الدارسين من فلاسفة ومؤرخين وعلماء سياسة براغماتيين ومؤسسين أتقياء لعقائد دينية جديدة، على إعادة النظر في مسلمات مجتمعهم وتقصي جذورهم كيابانيين. وخلال ذلك اكتشفوا مغالطات أساسية عديدة في شرعية نظامهم القديم، وفي الوقت نفسه، قام باحثون آخرون بالغوص في الكتب الأوروبية المحظورة سابقاً واستكشاف عالم جديد شامل من العلوم والتكنولوجيا الغربيين. وكان لذلك وقع الصدمة على اليابان.

3ـ أصحاب المواهب المستاءون: نتيجة لتمردهم الغريزي ضد وضعية البطالة القسرية المفروضة على طبقتهم، فقد قام جيلٌ جديد من اليابانيين معظمهم من الساموراي والمزارعين والتجار بالإعراب عن عدم رضاهم على مجتمعهم (المعلّب).

(3)

يخلص الباحث الى أن المرحلة التي سبقت ثورة المايجي، كانت فترة صدام واضطراب ثقافي رهيب ومثير. ومن حسن حظ اليابان أنه كانت في البلاد مجموعات كبيرة من الشباب الطموحين. كان هؤلاء تواقين لتسلم القيادة والتعلم في آن، ولذا فقد خيب آمالهم الحكم السابق القابض بشدة على مقاليد السلطة، كما أحزنهم تفوق الأوروبيين الواضح.

أنجز مصلحو المايجي أهدافاً مدهشة في شموليتها. فقد تم إلغاء المقاطعات. وتم تأسيس مجالس للمحافظات، ومن ثم جمعية وطنية. واعتمد دستور شبيه بدستور (بسمارك) في ألمانيا. وتم تأسيس قوة شرطة. واندفعت البعثات الدبلوماسية في الخارج لنقل كل ما هو مفيد لليابان من علوم وتقنيات.

لم يكن جميع قادة المايجي رجال دولة. وخلال عملية بناء بلد حديث كانوا يتطلعون، مثلهم مثل من يخطط على طاولة رسم، الى اتجاهات مختلفة. فبعضهم أصبح مصرفيا، وبعضهم الآخر مربياً. في حين اتجه فريق ثالث الى ميدان الأعمال والاتصالات وحققوا نتائج لا تقل أهمية على المدى الطويل.
ويلتفت الباحث بذكاء الى أن هناك من بقي يحتفظ بماضيه دون اعتراض أو تذمر مما حدث في البلاد. فيذهب الى (هاجي) وهي بلدة بها قلعة تعتبر مركزاً للتآمر على العاصمة القديمة، وقد تحولت تلك البلدة الى متحف، دون تغيير في ملامحها التي كانت في العهد السابق.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس