الفصل السابع: العلاقات الدولية عشية المايجي إيشين
تقديم: وان فنغ/ الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية/بكين
يركز هذا المقال على العلاقات الدولية التي كانت تحيط باليابان، مع إيلاء أهمية خاصة لتأثير الأحداث التي شهدتها الصين على اليابان في السنوات التي أدت الى إعادة المايجي.
(1)
يعود تقدم الدول الغربية شرقاً الى القرن السادس عشر الذي يصفه كارل ماركس ببداية العصر الرأسمالي. فكان للبرتغال حاكماً على الهند منذ عام 1509. وقد تلى ذلك التاريخ تواجد بحري للسفن الحربية البرتغالية على الشواطئ الصينية، وتعتبر حادثة جنوح إحدى البواخر البرتغالية في عام 1543، من أهم الأحداث التي استشعر فيها اليابانيون الخطر الخارجي. وقد كانت السيادة شبه التامة في ذلك القرن للسفن البحرية البرتغالية والإسبانية.
مع حلول القرن السابع عشر، حلت كل من هولندا وإنجلترا، محل إسبانيا والبرتغال. وفي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تفوقت بريطانيا العظمى على جميع منافسيها، وأصبحت في مقدمة الزحف الغربي نحو الشرق. وفي العقدين الثالث والرابع من القرن التاسع عشر، عرفت العلاقات الدولية في الشرق الأقصى تغييراً أساسياً بنتيجة مباشرة بريطانيا العظمى وغيرها من الدول الرأسمالية الغربية حملاتها التوسعية والاستعمارية الطموحة.
وكان من أكثر الأحداث دلالة على الاندفاع الغربي نحو الشرق، هو التحركات لاحتلال الصين من قبل بريطانيا والولايات المتحدة وروسيا وفرنسا، بالفترة الواقعة بين 1840ـ1860.. وهذا الاندفاع هو ما أجبر الصين على توقيع معاهدات مذلة أمام تلك الدول، وقد كان لليابان نصيب من هذه الاتفاقيات مع الدول الغربية.
(2)
يُشير الباحث (وان فنغ)، الى أن معظم المؤرخين يعيدون قصة الضغوط الأجنبية على اليابان الى قدوم السفن السوداء بقيادة الكومودور (ماثيو كالبرايت بيري 1794ـ1858)، لكن للباحث الصيني رأي آخر، فهو يرى أن حربي الأفيون ضد الصين شكلا عاملا مهما في الضغط على اليابان.
من المعلوم أن الصين أكثر أهمية من اليابان في الأطماع الاستعمارية، فقد أدت حربا الأفيون الى فتح مرافئ الصين عنوة أمام القوى الحربية الاستعمارية، ثم احتلالها بالكامل. هذا الأمر شكل صدمة هائلة لليابانيين حركت وعياً قومياً حديثاً بين اليابانيين.
وقد قال المفكر الياباني (ساكوما شوزان)، تعليقاً على ما حدث للصين واستحسانا لما جاء بكتاب الصيني (واي يوان) (لقد ولدنا في مناخات متفاوتة مع ذلك فإن بعضنا لا يعرف شيئاً عن الآخر) وأضاف ( إنه لمن قبيل الصدفة الغريبة أننا أدلينا خلال عام 1842 بآراء متماثلة. إنه فعلاً رفيق من وراء البحار).
وقد تسلل مجموعة من المليشيات اليابانية الى الصين لمعرفة ما يجري هناك. وكانت تلك التجربة كافية لإقناع فصائل الحراك الياباني بوجوب اتخاذ كل خطوة ممكنة للحيلولة دون سقوط اليابان في المنحدر الذي هوت فيه الصين. وقد دفعت صدمة حرب الأفيون باليابانيين الى سلسلة إصلاحات واسعة النطاق تحت شعار (إثراء الأمة وتقوية جيشها).
(3)
من جهتها فإن الدول الغربية استغلت خبرتها المكتسبة من عدوانها على الصين على أتم وجه في محاولتها لإقامة وجود شبه استعماري في اليابان. ويمكن إيجاز الأساليب الرئيسية التي استخلصتها من تجربتها الصينية بما يلي:
أولاً: أهمية عقد معاهدات غير متكافئة تتضمن بند الدولة الأكثر رعاية. فقد وقعت مع الصين عدة اتفاقيات مع البريطانيين والأمريكان والفرنسيين وروسيا.
ثانياً: التشديد على استعمال قوة السلاح.
ثالثاً: التزام جانب الحذر إزاء الثورات الشعبية والقوى المعادية، والعمل الدؤوب الى إجهاضها داخليا.
ولم تكتف القوى الغربية بتلك الأساليب، بل اعتمدت على خبراء دبلوماسيين وعسكريين، جربوا كل الأعمال التي من شأنها تسهيل مهامهم. فقد دفعت بريطانيا في حملاتها ضد اليابان أهم شخصياتها المحنكة دبلوماسيا منهم: (اللورد إلجين) و (السير روثرفورد الكوك) و (السير هاري سميث باركس). ومن الولايات المتحدة الأمريكية (هامفري مارشال) و (تاونساند هاريس). ومن فرنسا (جان باتيست لويس غرو) ومن روسيا (الأميرال إيفيميي فاسيليافيتش بوتياتين).
وقد أورد الباحث إيجاز وتلخيص لكل من هؤلاء الرجال للتدليل على إمكانياتهم وأدوارهم التي قاموا بها.
(4)
ويورد الباحث الصيني عاملاً آخراً لعب دوراً لمصلحة اليابان وهو الاختلاف في الأولوية الإستراتيجية التي أعطتها القوى الغربية لكل من الصين واليابان. وفي الأساس عانت الصين واليابان من الوضع شبه الاستعماري نفسه لدى محاولة مجابهة التقدم الاستعماري للقوى الغربية الرأسمالية. لكن تطورهما التاريخي اللاحق اتخذ منحيين مختلفين جداً.
باختصار فإن الباحث يريد أن يخلص الى أن الأولوية التي أعطاها الغرب للصين (مساحة وثروات وأهمية استراتيجية) قد كانت بمثابة ناقوس الخطر لليابانيين الذي كانوا يرقبوا ما يحدث في الصين، والذين كانوا في حراك سابق لتطوير ذاتهم، جعلتهم تلك الأوضاع على غذ الخطى لإنجاز إصلاحاتهم لتعزيز صمودهم ودرء المخاطر الغربية.
__________________
ابن حوران
|