عرض مشاركة مفردة
غير مقروءة 12-02-2009, 07:11 PM   #3
جمال الشرباتي
كاتب إسلامي مميز
 
تاريخ التّسجيل: May 2007
المشاركات: 639
إرسال رسالة عبر MSN إلى جمال الشرباتي إرسال رسالة عبر بريد الياهو إلى جمال الشرباتي
إفتراضي

************************************************** **********

القول في تأويل قوله تعالى : أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ( 18 )
يقول تعالى ذكره: أو من ينبت في الحلية ويزين بها ( وَهُوَ فِي الْخِصَامِ ) يقول: وهو في مخاصمة من خاصمه عند الخصام غير مبين, ومن خصمه ببرهان وحجة, لعجزه وضعفه, جعلتموه جزء الله من خلقه وزعمتم أنه نصيبه منهم, وفي الكلام متروك استغنى بدلالة ما ذكر منه وهو ما ذكرت.
واختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله: ( أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ) ,

فقال بعضهم: عُنِي بذلك الجواري والنساء.

وقال آخرون: عُنِي بذلك أوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون الله.

************************************************** *********
.
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عُنِي بذلك الجواري والنساء, لأن ذلك عقيب خبر الله عن إضافة المشركين إليه ما يكرهونه لأنفسهم من البنات, وقلة معرفتهم بحقه, وتحليتهم إياه من الصفات والبخل, وهو خالقهم ومالكهم ورازقهم, والمنعم عليهم النعم التي عددها في أول هذه السورة ما لا يرضونه لأنفسهم, فاتباع ذلك من الكلام ما كان نظيرا له أشبه وأولى من اتباعه ما لم يجر له ذكر.

************************************************** *********
واختلف القرّاء في قراءة قوله: ( أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ ) فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض المكيين والكوفيين « أوْ مَنْ يَنْشَأُ » بفتح الياء والتخفيف من نَشَأَ ينشأ. وقرأته عامة قرّاء الكوفة ( يُنَشَّأُ ) بضم الياء وتشديد الشين من نَشَّأْتُهُ فهو يُنَشَّأُ. والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار, متقاربتا المعنى, لأن المُنَشَّأ من الإنشاء ناشئ, والناشئ منشأ, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وقد ذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله « أوَ مَنْ لا يُنشَّأُ إلا فِي الحلْية » , وفي « من » وجوه من الإعراب الرفع على الاستئناف والنصب على إضمار يجعلون كأنه قيل: أو من ينشأ في الحلية يجعلون بنات الله. وقد يجوز النصب فيه أيضا على الردّ على قوله: أم اتخذ مما يخلق بنات أو من ينشأ في الحلية, فيردّ « من » على البنات, والخفض على الردّ على « ما » التي في قوله: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا .

*****************************

القول في تأويل قوله تعالى : وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ( 19 )
يقول تعالى ذكره: وجعل هؤلاء المشركون بالله ملائكته الذين هم عباد الرحمن.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء المدينة « الذين هم عند الرحمن » بالنون, فكأنهم تأولوا في ذلك قول الله جلّ ثناؤه: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ فتأويل الكلام على هذه القراءة: وجعلوا ملائكة الله الذين هم عنده يسبحونه ويقدسونه إناثا, فقالوا: هم بنات الله جهلا منهم بحق الله, وجرأة منهم على قيل الكذب والباطل. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة والبصرة ( وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا ) بمعنى: جمع عبد. فمعنى الكلام على قراءة هؤلاء: وجعلوا ملائكة الله الذين هم خلقه وعباده بنات الله, فأنثوهم بوصفهم إياهم بأنهم إناث.
والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار صحيحتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب, وذلك أن الملائكة عباد الله وعنده.
****************************************

واختلفوا أيضًا في قراءة قوله: ( أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ) فقرأ ذلك بعض قرّاء المدينة « أشهدوا خلقهم » بضم الألف, على وجه ما لم يسمّ فاعله, بمعنى: أأشهد الله هؤلاء المشركين الجاعلين ملائكة الله إناثا, خلق ملائكته الذين هم عنده, فعلموا ما هم, وأنهم إناث, فوصفوهم بذلك, لعلمهم بهم, وبرؤيتهم إياهم, ثم رد ذلك إلى ما لم يسمّ فاعله.
وقرئ بفتح الألف, بمعنى: أشهدوا هم ذلك فعلموه؟ والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

*********************************

وقوله: ( سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ ) يقول تعالى ذكره: ستكتب شهادة هؤلاء القائلين: الملائكة بنات الله في الدنيا, بما شهدوا به عليهم, ويسألون عن شهادتهم تلك في الآخرة أن يأتوا ببرهان على حقيقتها, ولن يجدوا إلى ذلك سبيلا.

***********************************

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ ( 20 ) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ( 21 )
يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء المشركون من قريش: لو شاء الرحمن ما عبدنا أوثاننا التي نعبدها من دونه, وإنما لم يحلّ بنا عقوبة على عبادتنا إياها لرضاه منا بعبادتناها.
*************************************

.. ( إِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ ) يقول: ما هم إلا متخرّصون هذا القول الذي قالوه, وذلك قولهم ( لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ) .
***********************

وقوله: ( أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ ) يقول تعالى ذكره ما آتينا هؤلاء المتخرّصين القائلين لو شاء الرحمن ما عبدنا الآلهة كتابا بحقيقة ما يقولون من ذلك, من قبل هذا القرآن الذي أنـزلناه إليك يا محمد. ( فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ) يقول: فهم بذلك الكتاب الذي جاءهم من عندي من قبل هذا القرآن, مستمسكون يعملون به, ويدينون بما فيه, ويحتجون به عليك.

******************************

القول في تأويل قوله تعالى : بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ( 22 )
يقول تعالى ذكره: ما آتينا هؤلاء القائلين: لو شاء الرحمن ما عبدنا هؤلاء الأوثان بالأمر بعبادتها, كتابا من عندنا, ولكنهم قالوا: وجدنا آباءنا الذين كانوا قبلنا يعبدونها, فنحن نعبدها كما كانوا يعبدونها; وعنى جلّ ثناؤه بقوله: ( بَلْ قالوا إنا وَجَدْنَا آباءنَا على أُمَّةٍ ) . بل وجدنا آباءنا على دين وملة, وذلك هو عبادتهم الأوثان.
******************************

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( عَلَى أُمَّةٍ ) فقرأته عامة قرّاء الأمصار ( عَلَى أُمَّةٍ ) بضم الألف بالمعنى الذي وصفت من الدين والملة والسنة. وذُكر عن مجاهد وعمر بن عبد العزيز أنهما قرأاه « على إمَّةٍ » بكسر الألف. وقد اختلف في معناها إذا كسرت ألفها, فكان بعضهم يوجه تأويلها إذا كسرت على أنها الطريقة وأنها مصدر من قول القائل: أممت القوم فأنا أؤمهم إمَّة. وذُكر عن العرب سماعا: ما أحسن عمته وإمته وجلسته إذا كان مصدرا. ووجهه بعضهم إذا كُسرت ألفها إلى أنها الإمة التي بمعنى النعيم والمُلك, كما قال عدي بن زيد. ثُــمَّ بَعْــدَ الفَــلاحِ والمُلْـكِ والإم ة وَارَتهُـــمْ هُنـــاكَ القُبـــور
وقال: أراد إمامة الملك ونعيمه. وقال بعضهم: ( الأمَّة بالضم, والإمَّة بالكسر بمعنى واحد ) .
والصواب من القراءة في ذلك الذي لا أستجيز غيره: الضم في الألف لإجماع الحجة من قرّاء الأمصار عليه. وأما الذين كسروها فإني لا أراهم قصدوا بكسرها إلا معنى الطريقة والمنهاج, على ما ذكرناه قبل, لا النعمة والملك, لأنه لا وجه لأن يقال: إنا وجدنا آباءنا على نعمة ونحن لهم متبعون في ذلك, لأن الاتباع إنما يكون في الملل والأديان وما أشبه ذلك لا في الملك والنعمة, لأن الاتباع في الملك ليس بالأمر الذي يصل إليه كلّ من أراده.

#######################3
وقوله: ( وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ) يقول: وإنا على آثار آبائنا فيما كانوا عليه من دينهم مهتدون, يعني: لهم متبعون على منهاجهم.

############################
يتبع
__________________
مؤسس ملتقى أهل التأويل
http://www.attaweel.com/vb/

جمال الشرباتي غير متصل   الرد مع إقتباس