إن قضية الكرد تُعدّ مفتاح الحرب والسلام للشرق الأوسط،على مستوى الشعوب والأنظمة،
الكرد خلال العهد الإسلامي:
اتصل العرب المسلمون بالكرد بعد ما فتح العرب تكريت وحلوان سنة (16هـ/637م)، وقام بفتح بلادهم الصحابة سعد بن أبي وقاص وخالد بن الوليد وعياض بن غنم وأبو موسى الأشعري وغيرهم- رضي الله عنهم، فغدت كردستان جزءاً من الدولة الإسلامية مع حلول عام 25هـ/645م، وأصبح الكرد ضمن نسيج المجتمع الإسلامي، يشتركون في جيوش الفتوحات وخدمة الأمراء والسلاطين، وينتظم بعضهم في حلقات العلم والدرس، مع انتظام بعضهم أو اشتراكهم في الفتن والقلاقل التي تنشب في مناطقهم أو بالقرب منها، شأن بقية الشعوب[11].
غير أن ما يهمنا في هذا المقام هو الإشارة إلى الدول والإمارات والكيانات الكردية التي قامت في العصر الإسلامي، لا سيما في العصر العباسي، ومنها: دولة ديسم وبني مسافر في أنحاء أذربيجان وشهروز وهمذان والدينور ونهاوند والصامغان، ودولة دوستك أو بني مروان للفترة 356-489هـ في أنحاء كردستان تركيا
الكرد في الوقت الراهن:
قلنا إن اتفاقية سايكس-بيكو لعام 1916 قد قسّمت بلاد الكرد تقسيماً ثانياً، وكان هذا التقسيم الأقسى والأشد مأساوية للواقع الكردي ومستقبله، فقد جزّأ القسمَ الكردي الخاضع للسلطنة العثمانية منذ عام 1514 إلى أجزاء ثلاثة؛ قسم ألحِق بتركيا الأتاتوركية الحديثة، وهو القسم الأكبر من كردستان التاريخية، وتقدّر مساحته بنحو 230 ألف كم2، وقسم ألحِق بالعراق وتقدّر مساحته بـ79ألف كم2، وقسم ألحِق بسورية، وهو أصغر الأجزاء، فضلاً عن القسم الخاضع لإيران منذ معركة "جالديران" لعام 1514، وتقدّر مساحته بـ125 ألف كم2[17](أي أن المساحة الإجمالية لبلاد الكرد تزيد على مساحة بريطانيا وهولندا وبلجيكا وسويسرا والدنمارك مجتمعة). وقد اتبعت هذه الدول مع مواطنيها الكرد سياسة الصهر والتذويب ونفي الحقوق الكردية، والتهجير الجماعي إلى مناطق نائية عن موطنهم، لا سيما تركيا الحديثة والعراق وسورية في ظل البعث وإيران في ظل حكم الملالي. ولذلك تكونت تجمعات كردية فقيرة وكبيرة في المدن التركية الكبيرة مثل استانبول وأنقرة وأضنه وأنطاليا وإزمير وغيرها، وفي المدن الإيرانية الكبيرة مثل طهران وتبريز والمراكز النفطية الإيرانية الأخرى في جنوب البلاد، وعند سواحل بحر قزوين والمناطق القريبة منه، وكذلك في بغداد ودمشق وحلب وغيرها، فضلاً عن ألمانيا والسويد وسائر بلدان أوربا الغربية[18]، مع جاليات كردية في لبنان والأردن وفلسطين ومصر والسودان وليبيا واليمن وتشاد ودول الخليج العربي[19].
كرد سورية
بالرغم من أنه لا توجد إحصائيات رسمية عن عدد الكرد السوريين أو نسبتهم إلى مجموع السكان، الأمر الذي يجعل اعتماد أرقام معينة مسألة محفوفة بالمخاطر، فإن الاستئناس بالمصادر التي تشير إلى عددهم أو نسبتهم مطلوب. من ذلك ما ذكره بيان صادر عن أحد عشر حزباً سياسياً كردياً سورياً أواسط عام 2004، يذكر أن الأحزاب الكردية تستمّد مشروعيتها من 2.5 مليون كردي في سورية[20] .
ويَذكر سعد محيو أن عدد الكرد يتراوح بين 1.3 مليون إلى مليوني نسمة، أوما نسبته 9.5% من إجمال السكان
علماً أن أكثر من 96% من الكرد السوريين يدينون بالإسلام، 98% من هؤلاء من أهل السّنة والجماعة، والنسبة الباقية تتبع الطائفة العلوية. أما الديانات الأخرى فهي اليزيدية في بعض قرى عفرين والجزيرة، ونسبة أخرى ضئيلة مسيحيون، لا تتجاوز نسبتهم مع اليزيدية 4% من مجموع الكرد[29].
الأنشطة السياسية بين كرد سورية
وهناك أيضاً حزب إسلامي كردي، ليس بعيداً عن الحركة الإسلامية العالمية المعاصرة وهو "بارتيا إسلاميا كردستاني" أسسه بعض الكرد من منطقة الجزيرة في الخارج، وله نشرة دورية بعنوان "جودي"، وينشط بين الكرد في الخارج، كما له وجود ومؤيدون في عموم مناطق كردستان، ويدعو إلى العمل على جعل كردستان دار إسلام ونصرة وهجرة، ومنح الكرد حكماً ذاتياً حقيقياً موسعاً ضمن الدول التي يوجدون فيها.
لكن الأمر لم يستمر على هذا النحو، فقد برزت – كما يقول الأستاذ أكرم البني – "معالم مشكلة قومية كردية بفعل تعاقب سياسة غير ديمقراطية، استمدت نسغها من أيديولوجيا مشبعة بالتعصب القومي، تتجاهل التنوع والاختلاف واحترام حقوق الإنسان ومصالح القوميات الأخرى، مما وضع حجر الأساس لنمو شروخ عميقة في اللُّحمة الوطنية"[41] فاندفع هؤلاء الغلاة باتجاه "ابتكار أساليب متنوعة لاضطهاد الأكراد وسلبهم حقوقهم كمواطنين، تمهيداً لتغييب دورهم كأقلية قومية في التكوين الاجتماعي السوري"[42]. وهذا ما حصل، عندما قام المدعو محمد طلب هلال – رئيس شعبة الأمن السياسي في محافظة الجزيرة "الحسكة" عام 1962 بإعداد دراسة تحت عنوان "دراسة سياسية، اجتماعية، تاريخية حول منطقة الجزيرة"، كلها مغالطات وتشويه للحقيقة والواقع، اقترح فيها اتباع سياسة عنصرية مقيتة ضد الكرد، تقوم على إسقاط الجنسية عن أكثريتهم ومصادرة أراضيهم وممتلكاتهم، وتشتيت الباقين في أنحاء سورية الداخلية، وضرورة اتباع سياسة التجهيل مع أبنائهم... إلخ، ثم أتْبَعَت السلطاتُ السورية البعثية هذه الدراسة بإجراء إحصاء استثنائي في محافظة الجزيرة أسفر عن تجريد نحو مئتي ألف مواطن كردي من الجنسية السورية، وتسجيلهم في القيود بصفة "أجنبي"، والإحصاءُ ذاتُه أدى إلى تجريد ثمانين ألفاً أخرين ولكن دون تسجيلهم في القيود هذه المرة، مما استولد الوضعية العجيبة المسماة بـ "المكتوم" أو البدون!! ليس هذا فحسب، بل أخذت الحكومة المستهدية بهدي "حزب البعث العربي الاشتراكي" وعلى هدي دراسة محمد طلب هلال – الذي كوفيء فيما بعد بأن أصبح عضو القيادة القطرية ووزير التموين ثم سفير بولونيا فيما بعد[43]، أخذت الحكومة السورية بجملة إجراءات، يُجمِع المراقبون بأنها كانت أسوأ الإجراءات التمييزية على امتداد تاريخها الحديث والمعاصر: تعريب أسماء مئات القرى والبلدات والتلال والمواقع الكردية[44]، وعلى نحو قوموي عصابي غالباً، كأن تنقلب بلدة اسمها قبور البيض إلى القحطانية (وأخرى اسمها كوبانية إلى عين العرب ودريك إلى المالكية...)، ومنع الكرد من تسجيل أطفالهم في القيد المدني إذا اختاروا لهم أسماء كردية، وحظر الطباعة باللغة الكردية[45].
ما الحل؟
ما الحل إزاء هذه السياسات التي أقلُّ ما يقال عنها إنها سياسات غير مسؤولة، تنمّ عن ضيق أفق، وتصبّ بالنتيجة في مصلحة أعداء الأمة ، الذين يستغلّون في الوقت المناسب هذه الاختلالات، بل هذه القنابل الموقوتة التي زرعها بعضُ مَن يُحسَبُ على أبناء الوطن، وحينئذ لن يتضرر منها فئة دون أخرى، ولن يفيد اللوم أو التلاوم.
إن الحرص على المصلحة العليا للوطن يتطلب أولاً، وقبل كل شيء، الوحدة الوطنية وجمع الشمل وعدم تهميش أحد، ناهيك عن فئات واسعة من الشعب، وفتح باب الحوار والمصالحة، وإعادة الحقوق لأصحابها، وإقامة نظام قوامه العدل والحرية والمساواة والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.
وإن المطلوب الآن، ودون تأجيل أو تسويف، طرح بدائل عقلانية للحوار الجادّ للبحث عن حل عملي لكل المشكلات والقضايا، على أسس ديمقراطية سليمة، دون المساس بالمبادئ الوطنية الثابتة التي يجب أن تبقى من المسلَّمات لدى كل الفئات. وهذا يكون عبر الاعتراف المتبادل بحق الوجود والتعايش الأخوي السلمي، وممارسة كل الحقوق القومية والإنسانية لكل الفئات والأفراد، التي يتشكل منها المجتمع السوري، وصياغتها في دستور حضاري جديد[51].
إن الحل الذي يقترحه ممثلو الشعب الكردي في سورية، للخروج من هذه المشكلة المستفحلة، والعودة بالأمور إلى حالة من المعافاة والاستقرار يتمثل في النقاط الآتية:
1- الاعتراف بواقع الشعب الكردي في سورية، ومنحه الحقوق القومية في إطار وحدة البلاد، واعتباره وحدة قومية، في معرض تطبيق نظام الإدارة المحلية، وحماية حقه في التمثيل في المؤسسات التشريعية والتنفيذية، بما يتناسب مع نسبتهم الفعلية من مجموع سكان البلاد، وإفساح المجال أمام كفاءاتهم العلمية في مختلف مجالات العلم والعمل الحكومي، بما فيها الجيش والشرطة وغيرها.
2- إيلاء المناطق الكردية أهمية استثنائية – كونها كانت مهملة قياساً إلى مناطق أخرى- فيما يتعلق بالتنمية والتطوير وإقامة المرافق الصناعية والخدمية والسياحية فيها.
3- إعادة الجنسية للكرد الذين سحبت منهم عام 1962 بعد إجراء الإحصاء السكاني الجائر، والعودة عن كل ما ترتّب على ذلك الإحصاء من نتائج سواء ما يتعلق بمصادرة الأراضي والأملاك، أو التهجير، والتعويض على المتضررين.
4- إنهاء سياسة التعريب والتذويب بالقوة، وإنهاء التعاطي مع الكرد بصفتهم مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة.
5- الاعتراف بالحقوق الثقافية والاجتماعية، المتمثلة بأن يدرس الطلبة الكرد بلغتهم الأم، إلى جانب اللغة العربية، ويمارسوا ثقافتهم بحرّية في طبع الكتب والصحف وتداولها،وفتح المحطات الإذاعية والتلفزيونية، وممارسة فولكلورهم الشعبي، وتأسيس النوادي الثقافية والاجتماعية وغيرها، والتسمّي بأسماء كردية.... إلخ[52].
6- إطلاق سراح المعتقلين السياسيين،والتعويض على المتضررين ،والتعويض على ذوي المتوفين والمعدومين وإعادة الاعتبار لهم.
تلك هي أبرز المطالب التي لو تحققت لزال الاحتقان والتوتر اللذان يسودان العلاقات العربية – الكردية، ولأكسب سورية منعة وتماسكاً ووحدة داخلية تفتقدها منذ زمن طويل، في مواجهة التحديات التي تجابهها والأخطار التي تتهددها. أما الزعم بأن تحقيق هذه المطالب يؤثر على التجانس والوحدة الوطنية، فهو زعم باطل، فبلد صغير مثل سويسرا فيه ست قوميات وست لغات للتعليم والثقافة، ومع ذلك فلا أحد يماري في تماسكها وقوتها وتعايش أهلها بسلام وتعاون وانسجام.
حل القضية الكردية من منظور شرعي:
إن النظر إلى المطالب الكردية في سورية وغيرها من منظور شرعي إسلامي يمكن توضيحه بما يأتي:
إنه لايوجد مانع شرعي أو وطني يحول دون تمتّع الإخوة الكرد بالحقوق الثقافية والسياسية والاجتماعية، على قدم المساواة مع إخوانهم العرب والترك والفرس، لأن التنوّع العرقي واللغوي مدعاة للتعارف والتعاون على البر والتقوى، التعارف الذي يعني التواصل الحضاري بين الشعوب والاعتراف بالآخر والتواصل معه على الخير والكلمة السواء والمجادلة بالتي هي أحسن[53]. كما أنّ في المطالبة بالحقوق في سياقها الوطني مطالبةً عامة تشمل أبناء الوطن جميعاً[54].
إن نظرة الحركة السياسية الإسلامية لا تقف عند حدّ السماح للإخوة الكرد بالتمتع بحقوقهم السياسية والثقافية والاجتماعية، في إطار سورية ديمقراطية تحترم التعددية وحقوق الإنسان وحكم القانون، بل تتعدى هذه النظرة لتصل إلى حدّ الإدانة لجميع أشكال الظلم الواقعة على هؤلاء الإخوة، سواء ما يتعلق منها بحرمانهم من حق الجنسية، أو بحرمانهم من كثير من الحقوق المدنية والسياسية والثقافية،
وفي وقتنا الحاضر، وبالرغم من دعوى الحرص على الوحدة الوطنية، وضرورة صهر كل المواطنين في بوتقة واحدة، وبالرغم من فرض لغة معينة ونظام تعليم وإعلام وتخاطب على الناس، فماذا كانت النتيجة فيما يخص الكرد؟ هل تمّ صهرهم في البوتقات العربية والتركية والفارسية؟ هل نسي الكرد لغتهم وحقوقهم الطبيعية؟ أم أن البون اتسع بينهم وبين الحكومات التي تحكمهم وتريد فرض واقع غريب عليهم بالحديد والنار؟
إن قضية الكرد تُعدّ مفتاح الحرب والسلام للشرق الأوسط،على مستوى الشعوب والأنظمة، فهل عَدِمَ الحكامُ الحكمة والتعقّل اللذين يمكّنانهم من إيجاد حل عادل منطقي منصف لها، والتفرّغ لقضايا أكثر خطورة وتأثيراً على أمننا ومستقبلنا، كرداً وعرباً وأتراكاً وفرساً وشعوباً إسلامية أخرى؟!
|