حوار الخيمة العربية

حوار الخيمة العربية (http://hewar.khayma.com:1/index.php)
-   الخيمة السيـاسية (http://hewar.khayma.com:1/forumdisplay.php?f=11)
-   -   من مقدمة وعاظ السلاطين/علي الوردي (http://hewar.khayma.com:1/showthread.php?t=103840)

ابن حوران 31-08-2020 03:53 PM

من مقدمة وعاظ السلاطين/علي الوردي
 
من مقدمة كتاب وعّاظ السلاطين/ علي الوردي

أقدم بين يدي القارئ العربي، بحثا صريحاً لا نفاق فيه حول طبيعة الإنسان. وهو بحث كُنت قد أعددت بعض فصوله، منذ مدة غير قصيرة، لإلقائه من دار الإذاعة العراقية فتم رفضه لأسباب لا يعلمها إلا الله.

والإذاعة، كغيرها من المؤسسات الثقافية، تُحاكي أسلوب الواعظين. وقد ابتلينا بطائفة من المفكرين الإفلاطونيين، الذين لا يجيدون إلا إعلان الويل والثبور على الإنسان لانحرافه عمّا يتخيلون من مُثل عُليا، دون أن يقفوا لحظة ليتبينوا المقدار الذي يلاءم الطبيعة البشرية من تلك المُثل.

فقد اعتاد هؤلاء المفكرون أن يعزوا علة ما نعاني منه من تَفسخ اجتماعي الى سوء أخلاقنا. وهم بذلك يعتبرون الإصلاح أمراً ميسوراً. فبمجرد أن نصلح أخلاقنا، ونغسل من قلوبنا أدران الحسد والأنانية والشهوة، نصبح على زعمهم سُعداء مرفهين ونعيد مجد الأجداد.

إنهم يحسبون النفس البشرية كالثوب الذي يُغسل بالماء والصابون فيزول عنه ما اعتراه من وسخٍ طارئ. وتراهم لذلك يهتفون بملء أفواههم: هذّبوا أخلاقكم أيها الناس! ونظفوا قلوبكم! فإذا وجدوا الناس لا يتأثرون بمنطقهم هذا انهالوا عليهم بوابل من الخُطب الشعواء وصبّوا على رؤوسهم الويل والثبور.

وإني أعتقد (والكلام لعلي الوردي) بأن هذا أسخف رأي وأخبثه من ناحية الإصلاح الاجتماعي. فنحن لو بقينا مئات السنين نفعل كما فعل أجدادنا من قبل نصرخ بالناس ونهيب بهم أن يغيروا من طبائعهم، لما وصلنا الى نتيجة مجدية. ولعلنا بهذا نسيء الى مجتمعنا.

إننا قد نشغل بهذا أنفسنا ونوهمها بأننا سائرون في طريق الإصلاح، بينما نحن في الواقع واقفون في أماكننا أو راجعون الى الوراء.

إن الطبيعة البشرية لا يمكن إصلاحها بالوعظ المجرد وحده. فهي كغيرها من ظواهر الكون تجري حسب نواميس معينة. ولا يُمكن التأثير في شيء قبل دراسة ما جُبِل عليه ذلك الشيء من صفات أصيلة.

يقول (باكون): لكي تسيطر على الطبيعة، يجب عليك أولاً أن تدرسها. فالإنسان جزء لا يتجزأ من الطبيعة المحيطة به.

إن القدماء كانوا يتصورون الإنسان حُر عاقِل مُختار. فهو في رأيهم يسير في الطريق الذي يختاره في ضوء المنطق والتفكير المجرد. ولهذا أكثروا من الوعظ اعتقاداً منهم بأنهم يستطيعون بذلك تغيير سلوك الإنسان وتحسين أخلاقه.

دأبوا على هذا مئات السنين. والناس أثناء ذلك منهمكون في أعمالهم التي اعتادوا عليها لا يتأثرون بالموعظة إلا حين تُلقى عليهم. فنراهم يتباكون في مجلس الوعظ ثم يخرجون منه كما دخلوا فيه لئاماً.

لقد جرى مفكرونا اليوم على أسلوب أسلافهم القدماء، لا فرق في ذلك بين مَن تثقف منهم ثقافة حديثة أو قديمة. كلهم تقريبا يحاولون أن يغيروا بالكلام طبيعة الإنسان...

ويستمر عالم الاجتماع العراقي الذي تنبأ له رئيس جامعة تكساس عندما سلمه شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع عام 1950 أن يكون من أهم علماء الاجتماع في العالم، بحديث شيق مُدعم برؤية علمية.
ــــــــــــــــــــــ
• من مقدمة كتاب وعاظ السلاطين للدكتور علي الوردي/ لندن/ دار كوفان الطبعة الثانية 1995


Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.