حوار الخيمة العربية

حوار الخيمة العربية (http://hewar.khayma.com:1/index.php)
-   دواوين الشعر (http://hewar.khayma.com:1/forumdisplay.php?f=33)
-   -   موضوعات ابن حوران التاريخية والأدبية . (http://hewar.khayma.com:1/showthread.php?t=63075)

ابن حوران 07-11-2005 02:16 PM

كلام في موضوع العقل العربي
 
كلام في موضوع العقل العربي

(1)

لم يمر على الأمة العربية و الاسلامية عهد ، في تناقل المعرفة والثقافة بين أبنائها أفضل من عهد الخليفة العباسي المأمون .. حيث كان هناك من يكتب ويتحدث لخاصة الخاصة وهناك من يكتب لعامة الخاصة وهناك من يكتب لخاصة العامة و هناك من يكتب لعامة العامة ..

فكانت آثار المعرفة والعلوم تغطي على عموم أصناف المجتمع ، ويتبادل تلك المعرفة أبناء الأمة كل حسب قدرته اللغوية وكل حسب رصيده من تلك المعرفة ، وكان الخطاب المعرفي العام الذي يفقه لكل شؤون الحياة يجد طريقه لنفوس أبناء الأمة ، فيترك فعله القوي في تفجير طاقاتهم الإبداعية بنسق قوي منسجم مع روحية الاسلام الذي تمثله سلطة الخلافة ، وإرادة جماعية تتسم بالأنفة وأهلية الريادة في حمل الرسالة الى شعوب الأرض ..

فكان جسم الأمة يتحرك كتموجات بشرية مؤمنة بربها و ملتزمة بدينه ، وتعمل وفق إرادة الله في إطلاق ما ترك للعبد من هوامش كي يثبت طاعته المطلقة لله تعالى بما يرضيه ، ويؤمن لبقية العباد خدمة إخوانهم المبدعين لهم في تطوير مناحي حياتهم الدنيوية ..

وعندما تتجول في صفحات التاريخ فانك تجد واحات أو مدن زاخرة بسكانها المبدعين ، فتذهب لمدينة الفلك فتجد من يجذبك بجديته الدءوبة ، وتذهب الى مدينة الطب فتجد من يشدك نحو مبدعيها ، وفي اللغة والكيمياء والموسيقى والفلسفة وفي كل مناحي الحياة .. بطرز (معمارية ) متناسقة بين تلك المدن ، ويطيب لك البقاء في كل مدينة دون ضجر أو تفضيل من واحدة لأخرى ..


ومن هنا كان تماسك الأمة و بهاء لونها هو الطاغي على سماتها العامة ، ولم يكن للأمم الأخرى أي قدرة على مطاولة تلك الأمة .. بل كان الإعجاب والاحترام هو السمة التي كانت تطبع سلوك الأمم تجاه أمتنا ، فكانت تتمثل بتقديم الهدايا ، إعجابا واحتراما وهيبة ، وكانت مناهل الأمة مبذولة أمام كل أبناء الأمم لينهلوا من علمها ومعرفتها ، وهذا يتفق مع روحية الرسالة و هو ما مهد الطريق أمام الكثيرين لاعتناق الاسلام دون حروب فيما بعد ..

أما اليوم فان خاصة الخاصة تغلق جدرا حولها و لا يكاد يرشح من علمها ومعرفتها المحدودين ما يفيد أبناء الأمة ، فقد أغلقت المنافذ بين أصناف طبقات المعرفة ، حتى غدت وكأنها جزر لا اتصال بينها ..

فمفردات اللغة المكتوبة و المسموعة لا يكاد يفقهها الا القلة ، ومجالس العارفين لا يرتادها الا القلة ، وكتابات العارفين لا يقتنيها الا القلة .. وعندما يقتنوها بالصدفة فان الزمان الذي كتبت به سيصبح قديما ، عندما يتم قراءتها فتنعدم الفائدة من الاطلاع عليها ..

فالعلامات الثقافية هي كعلامات المرور ، يجب أن تكون علامة التحذير من منعطف قريبة بمسافة كافية من المنعطف نفسه ، فلا فائدة منها اذا وضعت بعد المنعطف بعدة أميال .. ولما كان تسارع التطور الحضاري في العقود الماضية من التقارب بمكان ، فعلى واضعي الإشارات الثقافية ان يكونوا على أهبة الاستعداد لوضع إشاراتهم في وقت يسمح للآخرين الاستفادة منه !

ابن حوران 08-11-2005 04:03 PM

كلام في موضوع العقل العربي

(2)

لم نقدم التقديم الأول من باب البطر الثقافي أو حشو الكلام ، لكن قدمناه كمحاولة للتمهيد لموضوع العقل العربي ، لتقديم ما يمكن من إسهام في منع الإحساس بالشعور بعبثية أداء المثقفين العرب ، و خيبة أملهم في اعتبار أن ما يقومون به هو عبارة عن نشاط لأناس عديمي الوزن ..


فان كان هذا الإحساس قد استفحل عند القارئ العربي .. فعزف عن قراءة ما يكتب ، حتى لو كان جادا .. فاذا شعر الكاتب أو المثقف الذي يحاول تقديم جزءا من رسالة الأمة في تصويب وضعها .. فان ينابيع هذا الجهد ستنضب شيئا فشيئا ، بحجة أنه لا يوجد من يقرأ ولا يوجد من ينتقد . وعندها ستملأ هذا الفراغ أقلام تم بريها أو تحضير مدادها في أمكنة مشبوهة ، همها الأول هو الإجهاز على ما تبقى من قلاع للدفاع عن موروثنا الحضاري ..


لكن لماذا ربطنا العنوان بمصطلح العقل ؟ فهل هناك عقلا عربيا و عقلا روسيا وعقلا أمريكيا الخ .. أليس العقل مصطلحا يقترن بالإنسان دون تخصيص جنسيته ، بل فقط لنميزه عن الحيوان و الكائنات الحية الأخرى ؟ ألم يكن من الأفضل استخدام كلمة فكر بدل عقل ، كي نخلص من تلك التساؤلات ؟ ..


بيد أنه لو استخدمنا كلمة فكر ، لتراءى لنا حصيلة النتاج الفكري لأمة من علوم مختلفة من فلك ورياضيات و طب و هندسة وفلسفة .. وهنا سيكون التمييز أكثر وضوحا عند أمة عن غيرها من الأمم . لكننا لا نناقش الفكر هنا كنتاج بل نناقشه كأداة منتجة لهذا النتاج .

ان الفكر ونتاج الفكر رغم ترابطهما العضوي و الصميمي ، لا يدلان في حالتنا العربية على الدلالة التي يرمز لها العقل ، فمصطلح العقل والذي ورد بالقرآن الكريم هو أو مشتقاته ( أفلا يعقلون ) ، له دلالة أكثر قدرة على التعبير عن العملية التي تتصل به في وقائع حدوثها أو استعمالها ..


عندما يكتب أحد المستشرقين عن واقع الأمة العربية ، أو يتناول أحد مناحيها فانه مهما اجتهد ، لن يكون ما يكتبه مطابقا لما هو فيها سواء كحالة عامة ، أو حتى المنحى الذي اختار الحديث عنه . كذلك الأمر عندما يؤلف أحد أبناء العرب عن أرسطو أو إفلاطون أو شكسبير .. وان نال فيما يكتب شهادة عليا ، فان كتابته ستكون ناقصة . ونقصان قيمة الكتابة آت من أن الكاتب في كل الحالات السابقة ، يكتب من خارج الحالة التي يكتب عنها ، أي أنه سيستخدم أداة ( العقل) التي لا تمت بصلة عن الحالة التي يكتب عنها .


اذ أن التفكير بواسطة ثقافة ما ، معناه التفكير من خلال منظومة مرجعية تتشكل إحداثياتها الأساسية من محددات هذه الثقافة ومكوناتها ، وفي مقدمتها الموروث الثقافي والمحيط الاجتماعي والنظرة الى المستقبل ، بل والنظرة الى العالم والى الكون والانسان ، كما تحددها مكونات تلك الثقافة . فاذا كان الإنسان يحمل معه تاريخه شاء أم كره ، كما يقال ، فكذلك انه يحمل الفكر معه ، شاء أم كره ..

العنود النبطيه 08-11-2005 05:43 PM

Re: كلام في موضوع العقل العربي
 
إقتباس:

الرسالة الأصلية كتبت بواسطة ابن حوران
[color=FF0000] فالعلامات الثقافية هي كعلامات المرور ، يجب أن تكون علامة التحذير من منعطف قريبة بمسافة كافية من المنعطف نفسه ، فلا فائدة منها اذا وضعت بعد المنعطف بعدة أميال ..
اخي الكريم ابن حوران

في هذه الحقبة المظلمة من تاريخ امتنا

نرى ان مشعل النور يقع في ايدي النخبة المثقفة

وعلى عاتقها يقع حمل التوعية والتنوير

فكيف ترى اخي ان تكون البداية

بعد هذه التراجعات المتتالية

وكيف تكون الخطوة الاولى للامام

بعد كل هذه الخطوات للخلف

بماذا تقترح ان تكون البداية وكيف؟؟؟؟؟

ابن حوران 13-11-2005 04:48 AM

أشكرك على المرور ..

أما لو كان أحدنا يزعم أن لديه و صفة تخلص الأمة مما هي فيه .. لكانت
الأمور أقرب للسحر .. و لكن تسهمين حضرتك كما يسهم الآخرون في الإشارة الى
ما يعتقد أنه جانب مهم .. فيمتلئ الفضاء الذهني بإشارات تتشذب شيئا
فشيئا بالمثاقفة و الديالكتيك .. وعندها سنلحق بإذن الله بمن سبقنا ..

ابن حوران 13-11-2005 04:52 AM

كلام في موضوع العقل العربي

(3)

بدءا لقد أثرت بي كتابات المفكر العربي الكبير محمد عابد الجابري ، في هذا الموضوع (العقل) قبل خمس عشرة عاما .. وقد كنت أعاند نفسي معاندة كبيرة ، في محاولة هضم ما أقرأه .. فلا أمل من المحاولة بعد المحاولة ، خصوصا عندما يكون الموضوع يستهلك جانبا كبيرا من الوقت الذي كنت بحاجة ماسة له في تمشية أعمالي اليومية ، وهي كثيرة و متشعبة و تحتاج انتباها كبيرا ..


ولكن ما أن أعتقد أنني استوعبت شيئا ، حتى تفتح شهيتي على المعاندة و محاولة استيعاب المزيد .. ولما كنت أكبر بالرجل عمقه و حسن بناءه للمواضيع الكبرى ، كانت تنتابني موجات من مشاعر الأسى . صحيح أنني لست في امتحان لضرورة فهم ما في ثنايا طيات الكتاب .. فان فهمته أو لم أفهمه فليس هناك أثر مادي كبير و آني على ما سيؤول اليه وضعي ..


وعندما كنت أيئس أضع الكتاب بين عدة آلاف من الكتب في مكتبتي .. و أتأمل ذلك و أقول : كم من الأشخاص الذين يدعون الثقافة يعملون مثلي ، فيقتنوا الكتب ليذكروا ذلك من باب التباهي بتلك الخاصية ..


ثم بعد أن اعتقدت أني على قدر كاف من فهم ما جاء بالكتاب ثم السلسلة التي تلته ، انتابني شعور بالأسى ، وهو كيف يمكن لأكبر قدر من المثقفين أن يستفيدوا من تلك الأعمال الضخمة .. وتذكرت صديقا لي رئيس قسم الاجتماع في أحد الجامعات العربية .. حيث أطلعني على مئات الدراسات ( عناوينها ) من رسائل للماجستير و الدكتوراة .. وعندما سألته عن الكيفية التي تتحول به تلك الدراسات لإجراء يستفاد منه على صعيد المجتمع الواسع ، زم شفتيه وهز رأسه فأدركت كم نحن متخلفين عن أجدادنا عندما كانوا يتدرجوا في تفهيم مستويات الشعب على مراحل من خلال الشروحات الأقل تعقيدا ..


وعندما تذكرت أهمية دراسات الدكتور الجابري ، طبعا لا أزعم أنني على قدرة كافية بحيث أنني أتناولها بالشرح و التبسيط ، لا من حيث تغطيتها مجتمعة ، ولا من حيث التيقن من قدرتي على الاستمرار بتلك المحاولة لنهايتها ..


فهاأنذا أحاول الكتابة بهذا الموضوع ، ليس كشارح ولا كناقد ( حاشا لله أن أدعي تلك القدرة ) . ولكن سأكتب بقدر فهمي لمسائل قد تتماس مع ما كتب الرجل في بعض النقاط . فآليت على نفسي أن أذكر ذلك في تلك المقالة ، حتى اذا قرأ أحد المطلعين على كتابات الجابري ، لا يقذفني بصفات لا أتعمد أن تكون لدي !

ابن حوران 28-11-2005 05:28 PM

مناقشة العقل كأداة :

لنبتعد عن التصور بأن العقل هو رديف للفكر أو هو نفسه ، ولندرب أنفسنا على النظر اليه بوصفه كأداة ، وان تأخذ الأداة أحيانا صفتها التي تتكون لدى مستعملها ، أو من تعرض عليه ضمن حديث ، من خلال العمل الذي تقوم به .

فان ذكر لنا سكين أو شاكوش ، تقفز لدينا صورة العمل الذي تقوم به كل من تلك الأداتين ، ولا يمكن أن نبتعد بفصل العمل والدور التي تقوم به الأداة عن اسمها .

وكذلك الأمر بالنسبة للعقل كأداة تنتج عملية إكتناه ( تذوق وتقييم ) ما يعرض عليها من نتاجات سواء كان الناتج ، مادي كمادة غذائية أو صناعية ، أو ناتج ذهني كالفكر الأدبي و الفلسفي ..

وعندما اخترنا العنوان (كلام في العقل العربي ) ، لم نختره لتمجيد العقل العربي باعتباره ( خارقا ) أو استثنائيا ، ولم نختره لتبيان مدى انحطاطه (حاشا لله ) .. بل اخترناه لتبيان تلك الخصائص التي ينفرد بها كأداة ، كما تتكون لدى أي عقل آخر خصائص ، سواء كان يوناني أو صيني أو هندي الخ ..


هناك تمييز وضحه (لالاند) في الكلام عن العقل ، من المفيد الاستعانة به لصناعة مقتربات الحديث عن هذا الموضوع الذي يبدو أنه جاف و قاتم ، رغم ضرورة الحديث عنه للاستعانة بتفسير ما يجري حولنا ..

يضع لالاند العقل المكوِن ( بكسر الواو المشددة ) ويميزه عن العقل المكوَن (بفتح الواو المشددة) .. و أعطى الأول صفة الفاعل و الثاني صفة السائد ..

والعقل الفاعل هو عقل يتساوى به الجميع في كثير من الجوانب ، حيث يميز به الانسان عن الحيوان من خلال إدراكه العام للمخاطر ، الإرتفاع الشاهق النار ومخاطر ردات فعل الآخرين المفاجئة ، وان كانت تلك الصفات قد توجد عند بعض الحيوانات ، الا أنها تتميز عند الإنسان بأنها قابلة وقادرة على إنتاج قوانين ، تصبح على مرور الزمن مسلمات تسهم في تكوين العقل (المكوَن) أو العقل السائد ..


اذا سلمنا بهذا التمييز ، و نظرنا للعقل العربي السائد ، سنكون مطمئنين اذا ما عرفنا أن التأثير التاريخي المتراكم من ثقافة و حضارة و آثار و تراث ، وفن وسلوك متواصل عبر الأجيال ، بأن عروبة العقل العربي لها خصائص ، لم يحدث الخلط الثقافي والحضاري العالمي ما يفقدها السمة العامة لتلك الخصائص.

وان كنا لا نستطيع محاكمة العقل العربي الا من خلال ( العقل السائد) الذي اضطرب بعض الشيء في القرن الماضي ولا زال مضطربا ، في حسم انتماءه وولاءه للعقل الفاعل .. فبين موجات عقلية سائدة ، تريد الذوبان بالعقل الفاعل وبين موجات مشككة في وجاهة هذا النوع من العقل ..

ابن حوران 06-12-2005 04:30 PM

فحص العقل العربي من خلال غيره :

قد يكون هذا العنوان به شيء من الغرابة ، ولكون الموضوع به من المادة الجافة التي لا يرغبها الكثير من الناس هذه الأيام ، رغم أهميتها في الاستدلال على ما يجري حولنا ، من خلال تقمص النظر بآلة نظر الغير تجاهنا ..

و تكون متابعة هذه المواضيع ، كمتابعة أثر في الصحراء ، عندما يتقصى أحدهم أثر غيره .. فبين فعل الرياح و تداخل أقدام المارة وهم قلة ، و تشابكها مع آثار بعض الحيوانات البرية و غيرها ، قد يقع المتتبع بالتيه .

ولكي لا نضع أنفسنا بتيه مماثل ، فان مناقشة العقل ستنحصر بالعقل اليوناني والأوروبي ، مقارنة بالعقل العربي ، ليس لأن الآخرين من أهل حضارات في الصين والهند ووادي النيل و العراق القديم ، لن يكونوا أهلا للاستثناء ، بل لأن الصبغة العامة للنشاط العقلي عندهم كانت أقرب للطقوس السحرية و الميتافيزيقة ، أكثر منها في حالات اليونانيين و الأوروبيين و العرب .

****

لنناقش في البدء الثقافة اليونانية ونشاط العقل بها :

يقول كوسدروف ( يتحدد نظام كل ثقافة تبعا للتصور الذي تكونه لنفسها عن الله والإنسان و للعالم ، وللعلاقة التي تقيمها بين هذه المستويات الثلاثة من نظام الواقع ) .

وكان هناك فيلسوفان لهما الأثر البالغ ، في تكوين خط بداية لإطلاق العقل في شرح و تصور تلك العلاقة . وهما (هراقليطس) و ( اناكساجوراس) . فالأول هو من ابتدأ بالقول بفكرة ( اللوغوس) أو العقل الكوني .. فبعيدا عن الأساطير قال بوجود (قانون كلي) يحكم الظواهر ويتحكم في صيرورتها الدائمة الأبدية .

لقد قال هيراقليطس بملازمة (محايثة) العقل الكوني الطبيعة وتنظيمها من داخلها ، فهو بالنسبة للطبيعة كالنفس بالنسبة للإنسان .. وهو أشبه بنار إلهية لطيفة .. أو نور إلهي .. يسري في الطبيعة ويحكمها ..

أما (اناكساجوراس) فقال بشيء مختلف عن هذا العقل الكوني ، اذ أطلق عليه (النوس) .. وقال ان الأجسام تتكون من أجسام صغيرة متناهية في الصغر ، وتسبح في الكون عمياء لا تعلم مصيرها . وان مهمة العقل الكوني (النوس) هي تنظيمها و تحويلها لأشياء لها معنى و فاعلية منظمة ! ونظريته لا تترك مجالا للصدفة . ويقول ان هذا العقل الكوني هو من شكل الكواكب و الكائنات المنتشرة في كل الكون وفق نظام يعرفه هو .

ويختلف هنا عن هيراقليطس ، بان العقل الكوني لا يعيش وسط هذه الأجسام بل خارجها ، وهو الذي ينظمها !

اننا عندما نتتبع هذه الأقوال ، نستطيع تلمس إيمان هؤلاء الفلاسفة الذين عاشوا في أجواء ما قبل معرفتهم بالأديان السماوية ، بأنهم يبحثون عن الله من خلال آثار خلقه .. فهم يرفضون الفوضى في هذا الكون ، ويدركون ان نظامه المستقر ، وراءها قوة لا يدركونها بالحس المادي ، لكنهم يقرون بعظمتها .

ابن حوران 15-02-2006 01:59 AM

بين العقل العربي والثقافة :

(1)


اذا اعتمدنا تقسيم لالاند ، وناقشنا العقل العربي (المكوًن) (بتشديد الواو المفتوحة) .. وسنبقى على االتزام بهذا النوع من العقل ، حتى لا نضطر لتشكيله أو تعريفه بين قوسين .

ان العقل العربي المكون ، بوصفه جملة المبادئ والقواعد التي قدمتها وتقدمها الثقافة العربية ، للمنتمين اليها كأساس لاكتساب المعرفة .. وتفرض في نفس الوقت على هؤلاء المكتسبين نظاما معرفيا خاصا بهم ..

واذا أردنا أن نعرج مبكرا على النظام المعرفي ، حسب شرح (لالاند) نفسه ، فهو يقول بان العقل المكون : منظومة من القواعد المقررة والمقبولة في فترة تاريخية ما . هنا ينتهي تعريف لالاند .. وهنا يبدأ تتبعنا عن الفترة التاريخية المتصفة بال (ما) ..

فأي فترة من فترات التاريخ العربي نقصد ؟ عندما نتحدث عن العقل العربي بوصفه هذه ( المنظومة من القواعد ) . فاذا كان تعريف النظام المعرفي : هو جملة من المفاهيم والمبادئ والإجراءات تعطي للمعرفة في فترة تاريخية ما بنيتها اللاشعورية .. أو يمكن اختزال تعريف النظام المعرفي الى : هو البنية اللاشعورية .. فماذا يعني هذا الكلام ؟؟

عندما يتم الحديث عن أي مسألة بنيوية ، فالمعنى بهذا الحديث أساسا ، وجود ثوابت ومتغيرات .. وكذلك الحديث بالنسبة للعقل العربي ، فهناك الثابت وهناك المتغير .. وهو في الحقيقة يصلح للحديث عن الثقافة العربية ، وهذا ما يلزمنا عدم الفصل بينهما ، ذلك الفصل البائن ..

وقد يسأل سائل : هل يعني هذا اننا نوحد بين العقل والثقافة التي ينتمي لها على أساس أنهما مظران ل (بنية) واحدة ؟؟

ليكن ذلك ولكن بشرط القبول بالتعريف المشهور للثقافة (الثقافة هي ما يبقى عندما يتم نسيان كل شيء) .. عندها ستهدأ نفوسنا وندرك تلك الصلة بين العقل والثقافة ..

يبرز هنا تساؤل وجيها وبريئا : (ماذا بقي ثابتا في الثقافة العربية منذ العصر الجاهلي الى اليوم ؟؟ ولكنه سيفقد براءته ويصبح سؤالا ماكرا ، اذا أعدنا صياغته ب ( ماذا تغير في الثقافة العربية منذ الجاهلية الى اليوم ؟) .. وسيصبح سؤالا مستفزا للمثقف العربي ، أقول المثقف العربي .

فنحن نشعر أن زهير بن أبي سلمة وعنترة وابن عباس وابن حنبل والجاحظ وابن الأثير والفارابي والمتنبي .. حتى نصل الأفغاني و محمد عبده .. والعقاد ومحمد قاسم الشابي وبدر شاكر السياب واحمد شوقي و نزار قباني الخ من قوافل المبدعين .. نستشعر كأنهم أبطال مسرحية واحدة لم يسدل ولو للحظة واحدة ، فبغض النظر عن الزمان والبقعة الجغرافية ، فكل هؤلاء الشخوص قائمين .. يراهم المثقف العربي الذي يعقلن ما يرى من أحداث فيبدي رأيه بها أو يتصرف إزائها ..

ابن حوران 18-02-2006 02:51 PM

بين العقل العربي والثقافة

(2)

عندما ذكرنا في موضوع تعريف الثقافة ، بأنها ما يبقى بعد أن ينسى كل شيء ، فإن الذي ينسى لا يعدم بل ، سيخزن في اللاشعور و يستخدم في المسألة الإيبستمولوجية ، أي إكتناه المعرفة أو معرفة المعرفة و النظر اليها نظرة تقييمية سواء بالقبول أو التنافر والتضاد ..

ولتقريب تلك المسألة ، سنذكر على وجه السرعة ، ما نظر اليه كل من (جان بياجي ) و ( فرويد ) و(كروباسكايا ) .. للتأسيس على ما نرمي اليه في هذا الجزء من الحديث عن العقل العربي .

لقد حدد (جان بياجي) أن ما ينسى من الثقافات ، يخزن في (اللاشعور) ودون علم من خزنه ، والكيفية التي تم التخزين بها ، أو الكيفية التي يستخرج منها ذلك المخزون لاستعماله في الحكم على الأشياء ، أكبر ، أصغر ، أحلى ، أبشع ، أقوى ، أضعف ، أصعب ، أهون ، الخ من تلك الثنائيات التي يتخذ إزائها حكم بلمح البصر ..

تماما كما حدد فرويد تلك المسألة بالنسبة للعاشق و المعشوق ، لا يعلم لماذا يؤثر المعشوق دون الآخرين على عاشقه ، ويحدث له كما هائلا من الاختلاجات والهيام ، ولا يدري الكيفية التي تتم بها تلك التفاعلات الداخلية ، وقد تكون تلك الاختلاجات مثارا لانتقادات بعض المتعقلين ، الذين يسفهوا من فعل العاشق ، تجاه معشوقه ، في حين يقومون هم بنفس الاختلاجات مع معشوق آخر ، ولا يمكن تفهم تلك المشاعر دون أن يمر الشخص بتجربة مشابهة مع معشوق بعينه وهذه لا تتكرر في حالات الأفراد ..

أما (كروباسكايا) ، فإنها تقرر أنه لا يمكن أن تضاف معرفة أو عناصر معرفة جديدة الى معرفة الفرد ، الا إذا كان هناك نتوءات معرفية تستقبل تلك المعرفة الوافدة حديثا ، والمقصود بذلك أن الديانة مثلا عند الطفل تكون نتوءا معرفيا ، فالطفل المسلم لا يتقبل معرفة الديانة البوذية و يضيفها اليه كونه لا يملك نتوء معرفي خاص بها ، و طالب التاريخ ، لا يستطيع استيعاب أو مواصلة قراءة كتاب عن النظرية النسبية .. ما لم تستحدث نتوءات معرفية في كل الحالات !!

قد يقول قائل : وما علاقة كل هذا الكلام في مسألة العقل العربي ؟ .. لقد أوضحنا في الإيجازات الثلاثة السابقة ، حالات إثارة و إشغال إحساس الفرد كفرد ، ونحن هنا في حالة مناقشة عقل أمة ، إذا صح التعبير .. ففي حالة الفرد قد نستطيع تحديد زمن تكون الحالة الثقافية أو المعرفية أو حتى العاطفية ، على وجه التقريب ، لكن في الأمة ، كيف سيحدث ذلك ؟

لو أخذنا حالة الغرب ، كونه يضايقنا في ثقافتنا وعقلنا ووجودنا ، كمقياس للمقارنة ، فإننا نرى أن الغرب يحدد في حديثه عن نشاطه العقلي و الفكري في التاريخ الميلادي ، فعندما يحكي عن فيلسوف قديم يقول في عام 456ق م ، أو قسم تاريخ نشاط عقله الى العصر القديم و العصور الوسطى و عصر النهضة أو التنوير والعصر الحديث ، ويجد القارئ أن الحديث مترابط ، وكل عصر يدفع باتجاه الذي يليه ، ولا يتخاصم معه ، بل كل العصور على علاقة خدمية واضحة أو علاقة سلالاتية ان صح التعبير ..

في حين ، نؤرخ نحن حسب الحكم ، فنقول العصر الجاهلي و الأموي والعباسي ، ونغيب عدة قرون قد تصل الى ثمانية ثم نتحدث عن العصر الحديث أو عصر النهضة .

ونلحظ تداخل الأزمنة الثقافية في نفسية المثقف ، بشكل كبير ، وتخرج علينا في كل قرن دعوات قوية و مصرة ، لنسف كل ما استحدث على عصر من العصور . وتجد مثقفنا مثقفا جوالا متغيرا يوم علماني و يوم متدين ويوم ليبرالي و يوم يساري ويوم يميني ..

إن عدم التواصل في التطور هو ما جعل ثقافتنا و مواطنها أشبه بالجزر غير المربوطة ببعض عبر جسور ، فيقفز المثقف من جزيرة الى أخرى ، الى غير رجعة ، بل ويصنع قطيعة وعداءا مع سابقتها ، لقد تعامل المثقف مع تاريخه الثقافي ، كتاريخ ممزق ، فيستخرج أحيانا مقولات قديمة و يطرحها كمقولات حديثة ، ويستقبل مقولات دخيلة من غير حضارتنا و يطرحها على أساس بديل لا بد من اتباعه ..

لقد كان المفكرون من أجدادنا ينهون مقالاتهم ، ب ( والله أعلم ) ، وهي دلالة على تواضعهم وتقريرا عن عدم انتهاء البحث فيما قالوا.. ولكن المثقفون في هذا اليوم ، ينهونها ، ب ( و إن لم يعمل الناس بتلك الفكرة فالويل والثبور لهم ) .

لو أنهينا مقالتنا باستعارة مصطلح (ابراهيم بن سيار النظام ) . . بأن زمن الثقافة ليس ( مدة تعدها الحركة ) وحسب بل هو كذلك ( مدة يعدها السكون ) .. كما في انطلاقة السهم ، لا بد من ذكر حركة التوتر و شد القوس قبل الانطلاق !

ابن حوران 24-02-2006 03:36 PM

بين العقل العربي والثقافة

(3)

ان تشبيه الحياة الثقافية بالجزر المنقطع بعضها عن الآخر ، لم يكن تشبيها به مبالغة ، كما راجعني البعض بخصوصه ، بل إن هذا الوضع قد أثر على حياتنا الثقافية الراهنة ، وحاصرها محاصرة شديدة ، فعطل بذلك خدمة الثقافة العربية لأهدافها التي لم تفتأ منذ بداية تكوينها ، على الزعم بأنها تنشد الوحدة ، وتزعم بأنها تنشد سد أبواب الفرقة ..

ولكن استحضار مكوناتها منذ بداية التكوين ، و التسلح بها من أجل خدمة الأهداف ذاتها ، يوقع المثقفين والمفكرين ، في التمترس وراء إحداثيات تكوين تلك الثقافة ، فتصبح كأنها اجترار وتكرار و إعادة تكوين بشكل رديء ، حيث أن قوة تلك الأفكار و بريقها كان يبرر من الأحداث التي أحاطت بها وولدتها ، على لسان مؤرخين أو أدباء صاغوها وفق قراءاتهم لتلك الأحداث ..

فيصبح عقل المثقف الراهن ( كأداة ) لتقييم ما يجري حوله ، و صناعة مخططات المستقبل كمنهاج من قبل جيوش المثقفين و المفكرين الراهنين ، يصبح متأثرا ، بل و أسيرا لرؤية من افتتن بهم من مؤرخين و فقهاء سابقين .

ان النزوع لإعادة كتابة التاريخ الثقافي ، بهدف تمهيد طريق التفكير الوحدوي سواء بروح قومية أو اسلامية ، له ما يبرره إذ :

1 ـ ان تاريخ الثقافة العربية الذي نقرأه من خلال مناهج المدارس و الكليات ، هو تاريخ فرق ، وتاريخ طبقات و تاريخ مقالات وتاريخ رؤى مجزأة ، فهو تاريخ مفرق و ليس تاريخ موحد ، ومن الخطأ الانجرار الأعمى وراءه ، بشكله المقدم الينا من أجدادنا ، دون فهم دواعي تقديمه بهذا الشكل ..

2 ـ ان التاريخ الثقافي العالمي و العربي الراهن هو تاريخ ثقافي متخصص ، في حين كنا نجد بعض الفلكيين من أجدادنا يؤرخوا للفلك والفقه و النحو معا ، كما كان بعضهم يثبت مقالاته في الموسيقى و الطب والشريعة ، لذا فان الإقتداء الثقافي بأحدهم في مجال سيصطدم مع نظرة لا تكون ملزمة للمثقف الراهن أن يأخذ بها في مجال آخر ..

3 ـ ان زمن التاريخ الثقافي العربي الراهن ، هو زمن راكد أشبه ما يكون بالمعرض أو السوق ، تعرض به بضائع قديمة الصنع الى جانب سلع حديثة الصنع ، وتجد كل البضائع مشترين لها وفق خلط لا يكاد يكون ظاهرا في غير الثقافات العالمية .. فالأزمنة الثقافية عندنا متداخلة بشكل لا يولد قديمها جديدها بل يؤاخيه و يزامله و أحيانا يتقدم القديم على الحديث ..

4 ـ كما أن أزمنة التاريخ الثقافي العربي متداخلة ، فإن الأمكنة كذلك متداخلة ، فإن الروايات التاريخية تتناقض من حيث المكان لنفس القضية ، فان أردنا أن نقيم ما حدث في واقعة مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما ، فان كتابات ابن عبد ربه الأندلسي أكثر حيادا من كتابات من هم في أمكنة أخرى .. فهنا قد يرتبط وعينا بأماكن الكوفة و البصرة والقاهرة والقيروان وقرطبة و دمشق ، بتنقل متداخل ، مع تداخل الصور المنقولة لمؤرخين و أدباء تلك الأماكن وغيرها .

5 ـ ان هناك اضطراب و انقطاع بين تاريخنا الثقافي العربي و التاريخ الثقافي العالمي ..وهو على حساب تاريخنا بالطبع ، على حساب دوره ومكانته في التاريخ العالمي ، ففي حين يدعي الغرب بأن أثر أجدادنا ، لا يكاد يرى ، فيؤسسوا لتاريخ أوروبا الثقافي من أيام اليونان الى العصر الحاضر مغفلين أثر العرب ، في تقديم تاريخ أوروبا القديم ، شارحين له و موظبين له بصورة فهمتها الأجيال التي تناولتها من العرب .. فان المثقفين العرب الحاليين غير قادرين على إثبات ذلك الأثر للعالم ، بل وقد يشاركونهم التشكيك بضحالة دور أجدادهم !

ابن حوران 07-03-2006 04:25 AM

الحديث عن تاريخ تطور الفكر العربي :

لقد اتفقنا منذ البداية للحديث عن العقل العربي .. كأداة للتفكير و التعقل ، تتكون من مخزونها المعرفي ( الثقافي و الفكري) .. لكن لو أراد أحد أن يتحدث عن نقطة بداية لتاريخ تلك الثقافة وذلك الفكر ، لاستطاع ان يهتدي لثلاثة نقاط بداية : الأولى تعلن عن التاريخ الجاهلي وهي بالكثير تمتد مئة سنة قبل الإسلام ، و نقطة البداية الثانية : هي العهد الإسلامي الذي يمتد متصاعدا الى ثمانية قرون ثم يتوقف وينحدر ، أو يختفي الى حين .. أما نقطة الانطلاقة الثالثة : فهي ما يسمى بعصر النهضة العربية والتي يؤرخ لها في بداية القرن التاسع عشر ..

ولكن لو أخذنا العصر الجاهلي ، فان تكوينه ارتبط ببقعة الجزيرة العربية ، وغير ملزم للتأريخ به في مناطق حسبت على المنطقة العربية ولا زالت ، فلا تعني وقائع تكوين الفكر أو الأدب بأشكاله المعروفة و التي طغى عليها الشعر .. مناطق كالمغرب العربي أو مصر أو السودان أو بلاد الشام و لحد ما العراق .

لكن الفترات التي تكونت بها المرحلة الثانية ( الإسلامية ) كانت تعني بالاطلاع على الأدب الجاهلي كمورث لصناعة الأدب الإسلامي ، بالرغم أنه لم يصنعه أو يؤسس عليه .. كما هي الحال في المرحلة الثالثة ( النهضة ) .. حيث لم تصنعها ما قبلها ، بل عندما نقوم بآلة تصويرنا لأي مرحلة ، نجد المرحلتين يظهران بالصورة ، رغم عن أنف المصور !

فكانت قرطبة كما هي مراكش كما هي بغداد والقاهرة و دمشق ، تتداول فكر المرحلتين الأولى و الثانية دون تكلف .. وكان رجال الفكر يتنقلون بين تلك الحواضر دون حرج ، ودون شعور بالغربة ..

أما في المرحلة الثالثة فكان المشرق العربي قد سبق المغرب بعدة عقود في تأسيس المرحلة الثالثة ( النهضة ) .. ولكن مع ظهور خصوصية القطر التي لازمت التفكير بالصورة الوحدوية ، لكن دون أن تشتهي بإلغاء الحالة القطرية ، فأصبح ظهور المراحل الثلاث متلازما متحاذيا ، لا يفترقن عن بعض ، بل ويتزاحمن في إثبات السيادة لواحدة على الأخريين .. حتى أصبح الماضي كجن يلازم الحاضر و يكبله دون أن يسمح له للانفلات و التأسيس لشكل يؤكد خصوصيته العربية المنتمية لأصالة واضحة ، والمستمرة في التأثير عالميا بشكل منادد لمواقع الفكر العالمي ، لا متسكعة بهوية تستحي أحيانا ، وتتفاخر بتعصب أحيانا أخرى ..

إن هذه الإشكالية الصعبة التي تواجه من يريد أن ينتقد العقل العربي ( لا يصفه وصفا ) .. من أجل الخروج به ليؤدي دوره ورسالته على الوجه الأكمل ، تقتضي الكشف عن تلك الأسرار ( الجني أو الراصد ) من أجل تحرير العقل الراهن لدفعه بالمسير ..

ابن حوران 19-03-2006 03:32 PM

الإطار المرجعي للفكر العربي :

(1)

إن من أكبر المشاكل التي تواجهنا كعرب ، في تحديد بداية تكوين العقل العربي ، هي مشكلة العصر الجاهلي ، فيكاد هذا العصر يشكل لنا عمقا مجهولا ، كمجاورة بدو لصحراء واسعة ، قبل امتلاك وسائل النقل الحديثة من طائرات وسيارات و غيرها ، فالحديث عن الصحراء يعتمد على قدرة الراوي في ابتكار صور .. وهل هو فعلا كان قد تعمق عشرات الأميال أو مئات الأميال من أصل آلاف ؟ ومن يستطيع تدقيق الرواية ، طالما غابت الحقيقة .

ولكن لو أخذنا العهد الجاهلي بوصفه الواقعي الذي أشار اليه القرآن الكريم ، فسنجد أن المقصود كان واضحا في أن هناك مجتمع يفتقد الوازع المدني ، نتيجة لغياب الدولة ، مقارنة بغير العرب من الشعوب التي عاصرتهم في ذلك العهد ، ويفتقد للوازع الخلقي الذي تمثل بغياب الدين ، فاستحق بذلك الوصف الجاهلي ..

لكن لو أخذنا النشاط الذهني ( العقلي لحد ما ) لوجدنا أن هؤلاء الناس الجاهليون لم يكونوا على مستوى متخلف ، فقد كان عندهم أسواقا يتبادلون فيها الشعر والنشاط اللغوي ، الذي يوحي بأنهم على درجة واعية من التحكم في مجادلة غيرهم من أبناء القبائل .. كما أن القرآن الكريم قد أورد محاججاتهم ، فرد عليهم بلغة ، تحتاج كل آية في عصرنا الراهن الاستعانة بلغويين مهرة لتبيان مقاصدها ، وهو دليل على تعاطيهم لعلم الكلام ( القريب من المنطق) قبل تأسيسه بمراحل ..

إن ما أصبح يهمنا اليوم ، ليس الكيفية التي كانت عليها العرب قبل الاسلام ، بقدر ما يهمنا من التأثير التي تركته تلك الكيفية فيما بعد والى يومنا الحاضر ..

لقد كان عهد كل من أبي بكر الصديق و عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ، مليئا بالمعاداة السافرة ومحاولة قوية وصارمة في القطيعة مع العهد الجاهلي ، تجلى في أحد أشكاله بالتأريخ للهجرة ، كرمز لإعلان تلك القطيعة ..

لكن وبعد أن تشكلت بوادر الفتنة ، في أواخر أيام الخليفة عثمان بن عفان وما ترتب عليها من اصطفاف معسكر ضد آخر من بين صفوف المسلمين .. بدا الحكم الأموي وكأنه تجسيد لسلطة الأسرة ، أكثر من أن يكون تعبيرا عن رغبة عموم المسلمين . و بنفس الوقت كان لاتساع رقعة بلاد الدولة الاسلامية ، تنامي شعور بالزهو والافتخار بالدين الجديد و الدولة الجديدة لدى أبناء العرب الذين يلتفون حول الدولة الجديدة ..

في حين كان خصوم الدولة من الراضخين من غير العرب والذين أصبحوا تحت حكمهم ، بالإضافة لأصناف من المسلمين العرب الذين لم يرق لهم حكم غيرهم لهم .. كل هذا أوجد حالة مزدوجة من نمط تفكير جديد ، حالة تتوجه الى العمق الجاهلي للتفاخر بالأنساب ، وحالة تتجه الى غير العرب من المسلمين للاستقواء بهم على الحكم القائم .

هذا صنع وعاءا و أرضية خصبة لنمو الوعي والنشاط الشعوبي ، الذي تعدى شكل الخلط المعرفي و الثقافي الى التدخل في التركيز على الطائفة ، كما حدث في تشيع الشعوبيين من غير العرب لتسهيل بقاء أجواء الفتنة قائمة ..

كما جعل هذا الأمر القائمين على الأمر في تشكيل الصورة الجاهلية ، وفق أهوائهم وتكريسا لمطالبهم في تحديد الهوية الفكرية والثقافية ، فأعيد تدوين الشعر الجاهلي بصيغ شكك البعض فيها كما حدث مع الدكتور طه حسين ..

ابن حوران 30-03-2006 05:18 PM

موضوعات ابن حوران التاريخية والأدبية .
 
ذكريات قرية لم تعد موجودة


لو فرغ أحدنا من الاستحمام ، فإنه يلحظ أن هناك شعرات قد سقطت منه ، والتصقت بجوانب الحوض أو أسفله .. ولكنها لم تعد تنتمي اليه بالتأكيد .. ويقال أن الإنسان يفقد أكثر من ثلاثين شعرة كل يوم .. وعند الحديث عن الأعصاب فإن الأطباء يقولون أن الخلايا العصبية التالفة لن تعوض بعد ..

لا أدري أين تستقر ذاكرة الإنسان ، هل لها مكان معين في جسم الإنسان تستقر به ، أم أنها تكون كهالة تحيط بكيانه ، تسبح معه حيث عام .. ويستعين بها عندما يستفز ، أو يضطر الى اتخاذ موقف تجاه ما يرى أو يسمع أو يضطهد بفتح الياء أو ضمها .. ولكن لا بد لتلك الذاكرة أن يتساقط منها ما يقارب أعداد تساقط الشعر في الحمام ..

هذا بالنسبة للفرد .. أما الجماعات ، فستكون مسألة تتبع نمو ذاكرتها و تفقدها من الصعوبة بمكان ، وتزداد صعوبتها كلما ازداد أعداد الجماعة وتفاوتت أعمارهم .. فسيكون على من يريد أن يتفهم تلك الظاهرة أن يتفقد ذاكرة كل فرد من أفراد الجماعة على حدة ، و هي مهمة شاقة وغير مسموح بها في جميع الأحوال .. وسيشوبها الكذب أو الاجتهاد في أحسن الأحوال ..

كما أن للقبور شواهد .. فان للذاكرة شواهد .. فان كانت القبور بلا شواهد ستدرس وتزول مع الزمن .. وهناك من يشجع على ذلك ( فقهيا ) .. فبنظره ، لم يعد أهمية لتجميل قبر والكتابة عليه ، طالما أن ما بداخله أجزاء من مواد لم يعد لها أي فاعلية تذكر .. وهناك من يعاكس تلك النظرة فيقول : أن الشاهد على القبر و الكتابة عليه ، سيجعل من القبر بمثابة أيقونة في جهاز الكمبيوتر ، ما أن تضغط عليها العين ، حتى تستعيد شريط من في داخل القبر !

بالقرى والمدن ، تكون الشواهد ، هي مجموع المعالم البارزة ، كمنارة مئذنة أو قصر بارز .. أو سفح جبل .. أو تمثال .. أو بيت يصدر منه صوت امرأة مجنونة .. أو زقاق يبرز منه كلب شرس يخيف الأطفال .. فتصبح سلطة الكائنات الحية شواهد إضافية على الشواهد الجامدة .. فشجرة عالية ، أو ارتطام قطيع أغنام بسيقان المارة .. تجعل من الذكرى .. مزيجا بين المكان والأحياء ..

ويصبح كل إنسان شاهد إضافي على الشواهد السابقة ، وهذا ما يفسر لنا لماذا نحزن على ميت ، يرتبط معنا بذكرى ، وهو يقل شرفا ومكانة عن شخص آخر ، ولكن لا نحزن عليه .. ولكن حزننا سيكون على أنفسنا ، أو على وجه الدقة على ذاكرتنا ، إذ أنها فقدت شاهدا على مخزونها .. فان تسامرنا في طرائف أحمق قبل أربعين عاما ، فان كان من يشاركنا الحديث عن ذلك الأحمق ، فان الحديث سيكون بنكهة ممتعة ، وعندما لا نجد من يحفل بذلك الحديث سنحس بغصة ، لزوال شهود الذاكرة ..

كانت قرية ( العتيقة ) هي صورة لكل ذلك ، فهي وإن كان اسمها قد يكون منحوتا ، فلم يعد للاسم أهمية ، فقد تجدها شمال غرب العراق أو في صعيد مصر أو على الحدود السورية الأردنية ، أو في جبال الأطلس .. فلا فرق ، طالما أن شواهدها قد زالت .. فلم يعد للاسم أي معنى ..

يتبع

ابن حوران 31-03-2006 03:31 AM

( 2)

لو أقبلت على القرية من جهة الجنوب لرأيت مئذنة مسجدها الوحيد بارزة بارتفاع واضح حيث بني المسجد في أعلى نقطة بالقرية .. و سيكون عليك أن تسير بمحاذاة طريق معبد ضيق ، أو يمكنك السير فوق الطريق المعبد الذي قيل أن الألمان قد عبدوه .. ولم يتلف ، لا لدقة الألمان في التنفيذ ، بل لندرة ما يسير فوقه من سيارات .. وكانت بعض الجهات تقوم بين كل عدة سنوات في رش قليل من الرمل الناعم و سائل أسود يغلي ، لإخفاء ما قد يحصل على الطريق من تلف قليل ..

وكان الأطفال يتمتعون بالسير فوق الطريق وهم حفاة ( طبعا كعادتهم ) .. وكانت لا تمنعهم حرارة الصيف من الاستمرار في السير على الطريق ، فكانت أقدامهم قد تطورت ، بحيث أصبحت أقرب الى خف البعير ، وكان ما يزيل إحساسهم بحر الطريق ، هو تتبعهم لفقاعات تكونت من فعل أثر الشمس على السائل الأسود الذي تجمد ، ولكن حرارة الشمس تنفخ بعض الفقاعات فيتتبعها الأطفال ليدوسون عليها بإبهام الرجل .. فتحدث صوتا يبتهجون به .. أو لعلهم كانوا يبتهجون به ، لندرة ما يبهجهم ..

لم يكن للقرية ألوانا زاهية يصبغون به بيوتهم ، ولم تكن في القرية أشجار تظهر عن بعد ، بل كان في القرية شجرتان من الكينا ( اليوكاليبتوس) واحدة تظهر عليك إذا أتيت القرية من الشرق ، وواحدة تظهر اذا أتيتها من الشمال ، وكانت الشجرتان تسهل مهمة من يصف بيتا لأحد ، وكان نادرا ما يسأل أحد عن بيت و يتغلب في إيجاده .. لكن كانت كل شجرة من الشجرتين تشكل شاهدا استقر في ذاكرة من يتذكر ..

كان الأطفال ، غالبا ما يسيرون باتجاه الطريق الذي يخترق القرية ، باتجاه الجنوب ، ويسيرون كفرق للبحث عن ألغام .. كلهم يرمون رؤوسهم في الأرض مطرقين ، عل أحدهم أن يجد علبة فارغة من أي شيء ، رموها السواح بعد أن استفادوا من محتوياتها .. فإن كانت العلبة مسطحة كعلب ( السردين مثلا) التقطها الطفل ، وربط بها خيطا ، بعد إحداث ثقب بطرفها ، و ملأها بالتراب وأخذ يلعب بها كسيارة .. و إن كانت العلبة أسطوانية ونظيفة ، فإنها ستضاف للأواني المنزلية ، كوعاء يغرف به الماء أو يسلق به البيض .. وإن كانت مغلقة من الجانبين ، لكنها ليست بتلك النظافة ، فإن الطفل يحدث في أوسط طرفيها ثقبين ويدخل بها سلكا و يعتبرها عجلة يلعب بها ..

و كانت لحظات فرح كبرى ، إذا عثر الطفل على بقايا علبة بها محتويات غذائية ، أو حتى بعض أجزاء فواكه يرميها الموسرون الذين كانوا قد مروا فوق الطريق قبل أيام أو حتى أسابيع .. فلم يكن الأطفال المعدمون يوفروا شيئا ، أو يتعففون عنه .

كان لون القرية في الشتاء هو لون التراب ، وكان في الصيف قد تلون عند بعض المقتدرين بلون حجري كلسي أبيض ، لا يصمد الا لشهرين أو ثلاثة ثم يختفي نتيجة لخواصه الكيميائية أو نتيجة لنزول مزنة من المطر خالفت الموسم وسقطت في غير حينها .. وعلى العموم لم تكن الألوان متوفرة ، فقد أدخلت الدولة لونا جديدا عندما صبغت المدرسة الوحيدة بلون ( سمني ) لا هو بالأصفر ولا هو بالبني .. وقد أثار ذلك اللون إعجاب المواطنين .. و أضاف عاملا جديدا لتهيبهم من الدولة ..

إذا اقتربت من القرية ، عند المساء ، فتستطيع التعرف على رائحتها بسهولة ، فهي مزيج من روائح فضلات الحيوانات الطازجة ، أو المحترقة لإبقاء حرارة أفران الخبز على ما هي .. حيث كانت النساء تغطي ( التنور ) بطبقة كثيفة من زبل المواشي المتخمر ، والذي لم يجف تماما ، فحين يلامس بعض الجمر المختفي في الغطاء القديم ، فإنه يبدأ بالاشتعال البطيء طيلة الليل ، وحتى الصباح .. فإن جاء الصباح وضع بعض ( الجلة ) اليابسة ، أو قطع صلبة من سيقان نباتات القمح ( قصل ) لم تستطع الحيوانات أكلها .. فتشعلها النساء ، داخل الفرن ( التنور أو الطابون ) .. فيصبح مهيئا لإعداد الخبز .

كانت تلك الروائح الممزوجة ، تلتصق بأثاث البيوت البسيط ، وبملابس الأهالي فلا أحد يتأفف من رائحة الآخر ، طالما أنهم يتشابهون فيها ..

ابن حوران 01-04-2006 07:01 PM

(3)

لم تكن مهمة خبير المساحة الإنجليزي سهلة ، فقد أوكلت إدارة الانتداب البريطاني في أواسط الثلاثينات من القرن السابق ، الى المساح ( موفد ) مهمة تنظيم وتقسيم و إفراز أراضي ( العتيقة ) .. وقد أقام ( موفد ) مع فريق عمله عدة سنوات ، حتى أنجز مهمته الصعبة ..

لقد كانت أراضي العتيقة والتي بلغت مساحتها أكثر بقليل من ثمانية عشر ألف هكتار ، في حالة تنازع بين سلطتي الانتداب الفرنسي و البريطاني ، وعندما تم إلحاق ( العتيقة) بإدارة الانتداب البريطاني .. شرعت لتنظيم تلك القرية .. والتي كان أصحابها يحتفظون بسندات تسجيل عثمانية ، وقسم كبير يحتفظ ب ( حجة) تملك .. وهي سندات تنظم بوجود شهود ، على أن فلانا قد باع لآخر أرض ..

لقد مر على هذه القرية ، عدة موجات توطن ، فتجد بآثار ( الخرائب) ما يشير الى وجود توطن في العهد اليوناني و الروماني و الأموي و المملوكي .. ولكن ليس بالقرية من يدعي بالقدرة على تتبع وجود أجداده ، لأكثر من مائة وخمسين عاما .. رغم وجود علماء نحو و تاريخ تنتهي أسماؤهم بالعتيقة .. لكن لم أسمع من المسنين ، أن أحدا يقول أنه من أحفاد النحوي عبد الله العتيقي أو المؤرخ محمود العتيقي ..

عندما تأملت في ظاهرة عدم تتابع وتواصل أجيال ( العتيقة ) ..عن دون القرى والتجمعات السكنية التي تقع غربها بعدة أميال ، ركزت نظري ، علني أجد لذلك سببا .. فوجدت أن القرية كانت تقع على مقربة من الصحراء ، لكنها تتفوق على الصحراء في أنها تستطيع إطعام بضعة مئات من العائلات من إنتاجها ..ولكن دون انتظام .. ففي بعض العقود كانت سنين القحط تمتد الى خمسة سنوات أو أكثر ..

كان التصاق سكان القرية بها ، ضعيفا و إدارة الدولة العثمانية ، لم تغطيها بشكل يكفي لدرء هجوم رعاة الأغنام و الإبل ، الذين كانوا يستغلون سنين الغلال والمواسم الجيدة ، ليرعوا بها و يهجرون سكانها أو يقتلونهم .. فكان بقائهم بها يتوقف على الجانب الأمني ..

وقد عاود السكان التوطن بها في أواخر القرن الثامن عشر .. ولو تتبعت أصل سكانها ، لأفادك كل منهم أن أجداده أتوا لتلك القرية ، بعد أن قتلوا شخصا في القرية الفلانية ، وستجد منهم أصولا من أربعة أقطار عربية مختلفة . أو هربا من الخدمة في الجيش العثماني ، حيث كنت تجد في القرية عشرات العرق ( بضم العين و مفرده عراق وهو ثقب أو كهف في أبط تل ) يسهل على المتخفي أن يبقى به هو عياله و حلاله دون أن يفضح أمره ..

كان على (موفد) أن يوفق بين عدة مئات من الرجال الذين كانوا ينتمون لعدة عائلات ، انقسموا في السابق الى قسمين : قسم أراد أن يكون تحت الإدارة الإنجليزية و قسم أراد أن يكون تحت الإرادة الفرنسية ..

فقسم الأراضي الى مائة و ثمانين ( ربعة ) والربعة كانت تساوي بين ثمانين هكتارا و مائة و عشرين هكتارا .. حسب خصوبتها .. وحسب تراضي لجنة ممثلي المالكين ..

لقد كانت الأراضي قبل وصول ( موفد) تقسم الى ( دواقير ) و ( الداقورة) هي مساحة الأرض التي يمكن لأسرة حصادها في يوم واحد .. ويبدو من شكل التقسيم السابق ، أن دوافعه كانت أمنية بحتة ، حيث يرحل الحاصدون كلهم الى اتجاه واحد يحصدون و ينقلون قشهم و غلالهم في نفس اليوم على الجمال ، ويحتمون بكثرتهم أمام هجمات الرعاة ..

وقد حسم أمر الرعاة و البدو قبل مجيء ( موفد) بحوالي عشرة سنوات عندما انتهت الحرب ( حرابة ) بين البدو والفلاحين والتي قتل بها عشرات الأشخاص من الطرفين وانتهت لصالح الفلاحين الذين أثاروا إعجاب سكان القرى المجاورة ببسالتهم .. و خلدت القصائد الشعبية تلك ( الحرابة ) التي استمرت تسع سنوات متواصلة .. حتى استقر شكل الأرض للفلاحين .

كان رؤساء العائلات الذين جلسوا مع ( موفد) لتسوية أراضي القرية ، يراعون جانب العلاقات بين المتجاورين .. فوضعوا شكلا للملكية لا يزال يثير إعجابي لدقته و عدله في كثير من جوانبه .. فقسموا ال (180 ربعة ) الى 36 قسم سموه الخمسات أي كل خمس ( ربعات ) جزء ووضعوا له رئيسا و ممثلا عن الملاكين .. وبين كل خمسة وخمسة طريق ضيق بعرض ثلاثة أمتار ، وبين كل عشر( ربعات ) طريق بعرض ستة أمتار ..

لقد ترك للبلدة جذرا سمي فيما بعد ( جذر البلد) و كان بمساحة تسعة كيلومترات مربعة .. و ترك حول الجذر ( بيادر ) لنقل القش ودرسه و تذريته واستخلاص الحبوب منه ..

لقد طال رؤساء الخمسات ، نصيب من الحظوة الإضافية ، وكانوا ست وثلاثون شخصا ، حيث تضاعفت حصصهم عن دون سكان البلدة ، ولربما كانت تلك أجورهم من قبل الإنجليز بدلا من أتعابهم خلال سنين التنظيم .. وأصبح
هؤلاء أكثر أهل البلدة وجاهة ، وهم الأكثر تأثيرا و الأكثر قربا من الحكم !

ابن حوران 03-04-2006 03:08 PM

(4)

لو تم إلزام ( موفد) برسم أو تنظيم جذر ( العتيقة ) ، لاعتذر ولو استعان بأحدث الطائرات للرسم الجوي ، فقد كانت شوارع القرية على عداء سافر مع كل ما هو مستقيم .. لقد كانت أشبه باللعب التي توضع في المجلات أو الجرائد تحت عنوان ( الطريق الى الكنز ) .. كانت أشبه بالمتاهات الموضوعة بمكر .

لكنها لم تكن آتية من غايات ماكرة .. بل كانت تمليها طوارئ الأفكار التي تنمو كأعراض جانبية لمرض ، فقد تنتشر على وجه أحدهم بثور ، ولكن تلك البثور آتية من التعرض لحمى أو خلل في الأجهزة الفسيولوجية ، ولم تكن البثور بحد ذاتها مرضا .. كذلك هي حالة الأفكار المتعلقة بالبناء عند أهل (العتيقة ) ..

فقد تتدخل طبوغرافية الأرض في تحديد شكل المنزل ، حيث يكون قرب جرف أو قبر ولي أو بئر قديم .. وبالتأكيد فإن السور للمنزل كان يأتي بمرحلة متأخرة حيث تتشكل الغرف ، وملحقات المنزل من حظائر و مستودعات لتخزين الأعلاف وغيرها ..

لم تكن وحدات القياس كما هي اليوم ، فلم يكن للياردة أو المتر أي مكان ولا حتى الذراع ، بل كانت المقاييس معنوية ، تتفق مع الموجودات المتحركة من الكائنات المتعايشة مع الساكنين ، وما يتعلق بما تحمل على ظهورها .. فكان الارتفاع للبوابة يتناسب مع ارتفاع الجمل و هودجه وما يحمل ، وكان عرض الشارع يأخذ بنظر الاعتبار التقاء جملين أو حمارين عليهما حمولتهما .. فوظيفة الأشياء كانت تحدد القياسات لا علوم الهندسة والحساب .

وكانت ارتفاعات الغرف أو الحظائر أو الأسوار ، تراعي نقاطا لها جانب أمني وخصوصي في بعض الأحيان ، فغرفة النوم ، وهو اسم خليع لا يتناسب مع تلك الحالات التي بنيت من أجله الغرف ، بل كان يطلق على الغرفة اسم بيت و على البيت دار وليس منزل ، كان ارتفاعها يتحدد بالمساحة التي تلتف عليها قنطرة حمل البيت ( الغرفة ) ..فان كان عرض الغرفة خمسة أمتار ، فكانت القنطرة التي تبنى على شكل نصف دائرة ، لا بد أن يكون نصف قطرها لا يقل عن ثلاثة أمتار فستجد أن معظم الغرف يزيد ارتفاعها عن أربعة أمتار .. أما في الحظائر والغرف الأقل شأنا فإن الارتفاع ينخفض قليلا ، معتمدا على تقنيات تختلف بعض الشيء عن بناء غرف النوم ..

كنت إذا دخلت ( زقاق ) وهو الاسم الجدير أن تحمله تلك الشوارع .. لا ترى الا جدران طينية مصمتة ، لا نوافذ عليها ، حتى لا ينكشف ما بداخل المنزل من عورات .. و أحيانا كنت تجد ( طاقة ) وهي فتحة بأعلى الجدار لا تسمح لمن تسول له نفسه لا الدخول من خلالها و لا حتى النظر ، حتى لو استخدم سلما ، فامتداد نظره لن يرى من في الغرفة ، بل سيصطدم بنقطة على الجدار المقابل وعلى نفس الارتفاع لسماكة الجدار الذي يقل عرضه عن متر بقليل ..

كان يصدف المارة نتوءات بارزة في الشارع بين كل مسافة منزلين أو ثلاثة وهي مكونة من طين وحجر ترتفع حوالي مترا وربع أو بعلو ( الحمار ) وعرضها أقل من متر ، أو بعرض ( خيشة التبن ) .. كان يطلق عليها ( مقرص) .. وكان الاسم مشتقا من الوظيفة التي تقوم بها تلك النتوءات .. فهي ان أخذت على أساس أن النساء يقرصن عليها العجين قبل خبزه ، فالاشتقاق جائز هنا .. وان كان الهدف منها هو ، وضع ( خيشة التبن ) من على ظهر الحمار ثم قرصها ، لتفرغ محتوياتها في مخازن التبن ، فالاشتقاق أيضا جائز .

كانت الرطوبة والملح ( بفتح الميم واللام ) قد أكلتا من أسفل الجدران ، فكونتا بجانب الجدران ، هالة من الرماد الناعم جدا والذي لا يتحرك من مكانه ، فكنت تجد في بعض الأحيان صبيانا يبحثون بين ذراته المتراكمة عن صنف من الحشرات ، ليستخدمونه كطعم لفخاخ الصيد ، وكانوا يطلقون على تلك الحشرة اسم ( كعكل .. بضم الكافين ) ..

واذا واصلت السير ، فستجد انبعاجات في الزقاق عند التقاء زقاقين أو أكثر فتتسع المساحة هناك ، لتسهيل عمليات فرز الحوش ( بفتح الحاء و الواو ) وهو قطيع الأغنام و الماعز ، الذي كان يوكل لراعي يجمع ما للناس من ماشية ليرعى بها طيلة النهار ثم تفرز أثناء عودتها لأصحابها ..

ابن حوران 05-04-2006 05:18 PM

(5)

تندرج حاجات الإنسان تحت ثلاثة مستويات ، الأول يعني بأساسيات الغاية من الحاجة نفسها ، وقد يسميه بعض العلماء المستوى ( الحدي ) .. فاذا كانت الغاية من المسكن هي الوقاية من الوحوش و اللصوص و عوامل الجو كالأمطار والحرارة وغيرها ، فإن كهفا سيشبع تلك الحاجة ، أو أي أربع جدران و سقف وباب ..

وهذا ينسحب على الملبس ، فالغاية هي ستر العورة و اتقاء البرد . ويمكن أن يقال هذا الكلام عن الطعام و الشراب و غيره ..

والمستوى الثاني ، يتعلق بصناعة نمط خاص بجماعة ، يطلق عليه العلماء اسم ( الرمزية ) وهو يعني بالتطور من حالة الإشباع الأساسية ، الى حالة إيجاد لون خاص بالجماعة ، والحديث هنا عن الجماعات الطبيعية وليس عن الجماعات المصطنعة ..فتجد نمط بناء مدينة أو حي مأسور بنمط يعبر عن لون حضارة الناس الذين أوجدوا هذا اللون .. فلو ذهبت الى شارع الرشيد في بغداد أو الى البصرة ولون شناشيلها ، أو الى أحياء حلب القديمة ، أو الى مدينة بولونيا شمال إيطاليا ستجد هذه الرمزية واضحة ..

هذا الكلام ينسحب على أزياء اللبس و أصناف الطعام .. فبعد أن تشبع الحاجة الأساسية الأولى في الستر ، فإن اللون والزي يصبح آسرا لمن يحاول إشباع حاجته ، فيكون غطاء الرأس و الدشداشة لونا عند بعض أبناء العرب ، وسيكون نشازا من يعتمر(برنيطة ) في حين يلبس الدشداشة ..

ويأتي المستوى الثالث ، وهو التخصص في إيجاد ميزة استثنائية للفرد تميزه عن غيره ، و قد أطلق عليها المختصون ب ( الأستيطيقية ) .. وهي كمن يضيف نقشا معينا على حجر البناء ، أو قرميدا ، أو بعض الصنوبر فوق الطعام أو بعض الإضافات التمييزية على الملابس الخ ..

إن تطور الحاجات و إشباعها وفق سير منتظم ، يعطي الحضارة سمات مستقرة ثابتة أصيلة ، و بعكسه فإن الطفرات و عدم التدرج بنمو تلبية الحاجات يجعل الارتباك سمة الحضارة .. فقد تجد بأحياء بعض المدن العربية أنماط بناء مختلفة و متجاورة فتجد قصرا على النمط المغربي ، يجاوره قصر على النمط الماليزي و بجانبه فيلا على النمط الأوروبي .. كما تجد لهجات المواطنين ، متنوعة تنوعا مبتذلا ، فمنهم من يتكلم بلهجة الريف ( الجلفة ) ومنهم من يتكلم بلهجة أهل الشام ، ومنهم من يحشر كلمات أجنبية في حديثه ، بمناسبة و من غير مناسبة .. وقد تجد كل هؤلاء من جد واحد ، ومنشأ أصلي واحد !

لم يكن أهل العتيقة ، يتطاولون بتفكيرهم ليرتقوا فوق المستوى الأول من إشباع الحاجات عندهم ، بشكل كبير ، فقد كان أهل القرية يحاولون إشباع حاجاتهم ، بكثير من التقشف و التدبير القاسي للاستفادة من الطبيعة التي حولهم مع بعض الإبداعات البسيطة غير المكلفة ..

لو أراد أحد أن يدخل بيتا من بيوت العتيقة ، فعليه أن يطرق الباب بكل ما أوتي من قوة ، حتى يسمع طرقاته من في الداخل ، والذين يكونون في الغالب ، ليس على مقربة من البوابة .. وكان قسم من الناس يضع على البوابة مطرقة معدنية على شكل قبضة يد صغرى ، مثبتة في أعلى البوابة على مستوى رأس الطارق البالغ ، ولها مفصل يسمح لها بالحركة والطرق على نتوء معدني أسفل طرف القبضة .. وكانت تلك التقنيات مما يميز طبقية بعض الناس !

أما البوابة ، فكانت من ألواح خشب الشوح ، غمست بالقير قبل رصفها ، حتى لا تتشقق بفعل العوامل الجوية ، وربطت ببعض بواسطة شرائط معدنية سميكة تثبت القطع ببعض بواسطة ( أسافين ) معدنية .. وهي كما أسلفنا بارتفاع أكثر من مترين ونصف ، لتسمح للخيال أن يدخل ، أو البعير المحمل .. وكانت بعرض أكثر من مترين ، ومثبتة بواسطة عمود خشبي أسطواني بطرفها ، يرتكز داخل حفرة في حجر صلب يسمى ( صعرور ) يسمح بفتح البوابة دون تغيير مكانها ، و يخترق فتحة في حجر ( الحنت ) الذي يعلو البوابة ..

لم تكن البوابة تفتح الا في مناسبات معينة ، أما الذي يفتح ، فهو فتحة عملت داخل البوابة ، بوسطها ترتفع عن الأرض بمقدار ذراع ، وهي بعرض رجل سمين ، وبارتفاع يسمح له بالدخول دون صعوبة .. وكان لها مفصلان مثبتان بجسم البوابة ..

أما القفل أو الغال أو ( السكرة ) فكانت مصنوعة من قطع خشبية متداخلة من خشب الجوز ، ومفتاحها قطعة خشبية مستقيمة ثبت به نتوءات معدنية ، ترتيبها يختلف من بوابة لأخرى و كأنها استنبطت من طريقة ( بريل ) للكتابة عن العميان ..

ابن حوران 05-04-2006 06:42 PM

الإطار المرجعي للفكر العربي :

( 2 )

لو كان أحدنا في نقطة مكانية ، فان الاتجاهات التي يقررها عن الأمكنة الأخرى هي غيرها عند من يقع شمالا منه ، فان الآخر عندما يتكلم عن الأول فانه يحدد مكانه جنوبا منه .. وتكون الأمكنة بعيدة أو قريبة ، عالية أو منخفضة وفقا لمكان وجود المتكلم .. كما هي الحالة عند رواد فضاء والحديث عن الكواكب والنجوم ، فيما بينهم .. تكون المركبة التي يتحدثون فيها هي الإطار المرجعي لتحديد جهات و مواضع و أبعاد ما يتكلمون عنه ، فوق ، تحت ، أبعد ، أقرب .. وفق إحداثيات المكان الذي يتكلم به المتكلم ..

عند الشعوب ، يكون الإطار المرجعي ، في الوعاء الثقافي المتكون لدى الشعب على مر السنين . ولكن لما كان من الصعوبة بمكان أن تتجسد الثقافة وتتمثل في باطن كل فرد بالتساوي مع أفراد الشعب ، لتصبح عنده ( لا شعور ) وهي ما تجعل الناس ( يعقلون ) الأمور بنفس الدرجة ، ويصبحوا متساوين فيها ، برزت مسألة عامة وهي تصف شعبا كاملا بصفة عقلية عامة ، لا يتصف بها غيره من الشعوب .. فتجد قبائل مثل (آرابيش ) و (تشومبولي) في مناطق غينيا بيساو ، تنظر للمرأة على أنها هي فارس القبيلة لا الرجل .. وتجد في السويد أن الناس ينظرون للعروس التي حافظت على عذريتها نظرة ناقصة !

إن تكوين الأحكام و التقييم للأشياء ، ينبع من المخزون الثقافي و المعرفي لأبناء شعب ، فيصبح هذا العمل عيبا مشينا ، وهذا العمل كله نبل و بطولة استنادا للصور التي حملها المخزون الثقافي ، الذي تكون لهذا الشعب ..

ان حدود المخزون الثقافي عند العرب تاريخيا ، بدأت عام 143 هـ ، وهو بداية عصر التدوين أيام الخليفة العباسي (المنصور ) ..

وعندما بدأ التدوين ، كان الأساس منه ، هو تدوين الأحاديث النبوية الشريفة ، فبرزت نشاطات في مكة و المدينة المنورة والكوفة والبصرة ودمشق وغيرها من الحواضر العربية ، وكان هذا النشاط الجماعي قد استلزم وجود تقنيات معينة ليكتسب صفة ( علم الحديث ) .. وقد رافقه نشاط لتكوين أسس لغوية مساعدة ، لتدوين النصوص لتك الأحاديث ، وكان يقال لمن يتكلم أنه يتكلم عن ( علم) ويميز عن ( الرأي ) لمن لا يتكلم وفق شروط ( علم الحديث ) .

لكن ( الرأي) لم يكن بعيدا عن نشاط العلم ، بل كان الرأي هو ( العقل) الذي يعطي صبغة ( المعقولية ) على حديث دون آخر .. وظهرت العنعنة ( من فلان عن فلان عن فلان) .. ويختم الراوي ( رأيه) بقوله حديث ( صحيح) .. ولما كان من غير المعقول أن يكون هناك حديثا ( صحيحا) بشكل قطعي ، كما لم يكن هناك حديث غير صحيح بشكل قطعي .. ولكن صحته من عدم صحته ، جاءت وفق ملائمة ذلك النص مع ما يمتلك الراوي من قناعات تعطيه أحقية أن يطلق عليه ( حديث صحيح ) .. وهذا ما جعل بعض الطوائف الإسلامية فيما بعد بسرد أحاديث ، لا تجيزها طوائف أخرى ..

علينا أن نعرف أيضا ، أن التدوين لم يكن إنتاجا بحد ذاته ، بل كان محاولة توثيق ما أنتج من قبل عصر التدوين خوفا من ضياعه ، فكان يخضع لغربلة و تمحيص و إضافة رأي المدون الذي لم يكن بعيدا عن عين الدولة ، ولذا فإن آراء المدون ( عقله ) سيراعي جانب رضا الدولة في حدود معينة ، وإلا لما وصل الينا ما دونه ، هذا فيما يخص الآراء التي قد تمس العدالة و أحقية الحاكم في تولي الحكم الخ ..

أما فيما يخص الأشعار والآداب و غيرها ، فكان هذا المنحى يحمل معه أهواء المدونين و آراءهم ..

إذن هذه حدود الوعاء الثقافي ( للعقل العربي ) .. حيث تشكلت بداياتها في عصر التدوين ، ومن خلال رؤية و تذوق ( إيبستولوجيا ) كانت قد تشكلت في ذلك العهد .. هل بقيت تلك الظروف قائمة وشاهدة على الموروث الثقافي أم تغيرت الآن .. وكم لها من تأثير على الحالة الإيبستمولوجية الراهنة ؟

ابن حوران 10-04-2006 02:02 PM

(6)

لو سمح لك أن تدخل الى داخل ( الدار) .. ولم تكن هناك موانع أصلا ، لتحول دون دخولك .. فالبوابات دائما تكون مفتوحة من خلال الفتحة التي تسمح بدخول من يريد .. فيكفي أن تطرق الباب أو تصرخ بأحد العبارات التي تدل على وجودك ، كأن تقول ( يا ساتر ) أو ( يا الله يا الله ).. أو تصرخ ( منو هون )..
فكلها إيماءات تعطيك إشارة مرور .. ونادرا من يكون هناك من يسألك ( منو هذا؟) .. بل ستسمع صوتا واضحا ( فوت جاي ) .. وقد يشاغلك في بعض الأحيان نباح كلب ضجر ، فقد حماسه في الدفاع عن حرم البيت ، لجوع ألم به ولربطه لمدة طويلة ، أو حتى يكون بلا رباط ، فكل الأماكن تتشابه عنده ..

سيكون على يمينك أو يسارك ، نافذة طويلة عليها قضبان حديدية مبرومة ، لكنها مفتوحة باستمرار ، لتسمح لمن يجلس مقابلا لها ، أن يرى من يدخل للدار أو يخرج منها .. وهو غالبا ما يكون رجلا مسنا ، يعبث إما بلحيته ، أو يناغي أحد أطفال الدار ، أو يشغل نفسه بتنقية التبغ من عيدانه القاسية تمهيدا لفركه ، أو أنه غارق في نوم لحظي ، يستفيق بعد أي إنذار من أي نوع ..

وبالواجهة المقابلة للنافذة من المدخل ، ستجد حظيرة ( بايكة ) ، لمبيت حيوانات الركوب أو العمل .. وقد تم وضعها في هذا المكان ، نظرا لأن أحد الزوار ، قد يأتي راكبا على فرس ، فلا بد من الإسراع بربطها في هذا المكان ، ولو دخلت الى داخل تلك الحظيرة ، لوجدت في داخلها المعتم ، بعض الطوالات وهي مداود يوضع فيها العلف أمام الحيوانات ، التي تربط بوتد قرب المدود . واذا جلت بنظرك ، فإنك ستجد أوتادا دقت في الجدران المكونة من الطين و الحجر ، وعلى ارتفاع مناسب ، لا يصيب رأس المار ، وعلق عليها بعض الأدوات الزراعية ، كالمذراة أو الغربال أو الحواة أو الحياصة أو مجموعة حبال وكلها أدوات لا يمكن الاستغناء عنها ، لكنك ستجدها معلقة ، إذا لم تكن في الخدمة ..

بجانب حظيرة الحيوانات ، ستجد مخزنا للتبن ، وهو لكي يستوعب مخزونا كبيرا من التبن ، قد يحتاجه صاحب الدار لثلاث سنوات ، إذا ما تعذر على الحصول على تبن جديد نتيجة لسنين القحط .. فإن من أنشأه قد حفر أكثر من مترين في أرضيته لتكون حيزا إضافيا للتخزين .. وأحيانا يحفر في الأرضية المنخفضة أصلا ، بئرا لخزن الشعير أو القمح ، لإخفاءه تحت التبن عن عيون السلطات العثمانية ، عندما كانت تجمع محاصيل الفلاحين لإمداد الجيش ..

أما ما يحاذي ( مخزن التبن ) فكان شيئا بلا باب و لا سقف ، كان يطلق عليه (الشونة ) وهو ما يزال من تحت الحيوانات من فرش مبلل ، بعد استخراج ما يمكن تصنيع ( الجلة ) منه .. فكان يكوم بالشونة ، ويترك حتى يتخمر ، فتغطى به ( طوابين ) الخبيز .. وكان من يمر بجانبه شتاءا ، يجد أن بعض الكلاب قد حفرت به و اختبأت طالبة بعض الدفء الناتج من التخمر ..

أما ما يحاذي ( الشونة) فهو ( القطع ) وهو بناء هزيل مسقوف ، ولكنه ملون بالسواد باستمرار نتيجة عشقه للدخان الذي يصدر من ( الفرن ) الذي يتصل به دون فواصل صلدة .. وكان يحفظ به الوقيد المكون من عيدان القمح أو الحمص أو الفول ، والتي لا يمكن للحيوانات أن تمضغها لصلابتها ، هذا بالإضافة الى بعض قطع الحطب و أقراص ( الجلة ) ..

أما الفرن .. فكان له دلالة رمزية ومادية و يرتبط بكل ما يغذي أهل الدار ، لقد كان غرفة أو شيئا شبيها بالغرفة ، له فتحة باب ولكن ليس عليه باب يغلق ، بل كان مفتوحا باستمرار ، فليس هناك ما يسرق منه ، وعندما يكون به ما يطبخ ، سيكون بالتأكيد امرأة تطبخ و تحرس ما تطبخ .. وكان من الصعب على من يحاول أن يدخل الى الفرن أن يرى حتى المرأة التي تطبخ ، فهي تربض وسط جو مفعم بالدخان ، الذي يدمع العيون ، ولحسن حظ من ينتظرها في إنجاز الطعام ، فإن مكونات الطعام لم تكن لتحتاج الى إضاءة ، ولا تحتاج الى دقة في المقادير ، أو توقيت إضافة الإضافات ، القلية أو النادرة أصلا .. لقد كان الفرن مجللا بالسواد ، حيث تجمع عليه السنا الأسود المتطاير من الحرق ، منذ تأسيسه ، حتى لو أسس في العهد الحجري ، فلم يكن يجري للسنا ، عمليات إزالة ، لعدم الضرورة !

بجانب الفرن ، هناك غرفة تسمى ( بيت العيلة ) وهي لتخزين المئونة ، وقد صنع لها غال وله مفتاح ، يتدلى في رقبة أكبر امرأة في الدار ( الوكيلة ) وكانت لا تتسامح في النظر اليه ، ولن تعطيه لأحد حتى لو قصوا رقبتها معه . كان به مجموعة من الجرار الفخارية الكبيرة ( بيطس ) و ( بقسة ) ، فعندما تتسع لأكثر من مئة لتر كان يطلق عليها ( بيطس ) .. كان يصنع بها (الكشك) أو يخزن بها السمن في سنين ( الفيض) .. وكان ببيت (العيلة ) مجموعة من أواني جلدية ( جف ) لجلد العجل ، و (شكوة) لجلدة الشاة وهناك ( الزق) وغيرها من الأدوات التي تأخذ اسمها من حجمها و الحيوان التي استخرجت منه، وكان بها مجموعة من (الكواير ) وهي أواني طينية تتسع الواحدة منها لحوالي ربع طن لتخزين الطحين و البرغل و بعض الحبوب التي تستخدم في الطبخ ..وكانت ( الكواير ) تصنع على مهل ، من الطين المخمر المجبول بالتبن وتبنى كل ما جف جزء منها بارتفاع شبر أضيف عليه جزء جديد حتى تصبح بارتفاع مترين تقريبا ، ويصنع لها فتحة من الأسفل ، لاستخراج مخصصات الطعام لذلك اليوم ..

يتبع

ابن حوران 16-04-2006 04:11 PM

(7)

سيكون دخول الزائر الى الغرفة التي يجلس بها كبير الدار ، وكانوا يطلقون عليها مجازا اسم (مضافة ) .. كان لا بد للداخل أن ينحرف قليلا بجسمه لكي يدخل من أحد فتحتي الباب ، إذ تغلق واحدة منهما باستمرار ، ولا تفتح إلا بالمناسبات ..

كما أن عليه أن يخلع نعليه قبل الدخول ، واضعا حذاءه في انخفاض يهبط عن سطح أرضية ( المضافة ) بحوالي شبر ، يكون بعرض متر تقريبا ، ويمتد من سعة الباب الى طرفي الغرفة ..

كان صاحب الدار ، لا يقوم بوجه زواره إلا فيما ندر ، ونادرا ما يشير للزائر بمكان الجلوس الذي يجب أن يجلس به ، فالزوار يعرفون أمكنة جلوسهم جيدا ، فيكون عليهم أن يجلسوا قبالة صاحب الدار ، في وضع لا يسمح لهم كثيرا برؤية مساحات واسعة من الدار ، حيث يخصص المكان ذاك فقط لصاحب الدار .

كانت ( المضافة ) وهي الغرفة التي يستقبل بها الزوار ، أفضل و أوسع غرفة بالدار ، وهي الوحيدة التي تكون أسطح جدرانها مستوية بعض الشيء ، وخالية من النتوءات الواضحة ، بعكس الغرف الأقل أهمية ، التي غالبا ما يقوم ببنائها أهل الدار أنفسهم ، بالإضافة الى معاونة الجيران أو الأقارب ..

كانت أرضيتها تغطى بطبقة من الإسمنت المخلوط بحصى الوديان ، والمصقول بعناية ، حيث كان يرش عليه مسحوق الإسمنت بعد مد المخلوط الطري ، ثم يصقل بأداة خاصة .. وكان هناك الكثير من الأرضيات التي تمد بالجير الحي ، الذي يخمر قبل المد بقليل ..

كنت تجد في جدران المضافة ، تجاويف صنعت داخل الجدار السميك ، وأصبحت كأنها ( خزائن ) .. تحفظ بها بعض اللوازم لصناعة القهوة و الشاي وبعض أوراق التبغ المفروم ، وستجد بها إن اجتهدت حجر ( مسن ) لسن سكينة يحتفظ بها ( الشايب ) لأغراضه الخاصة في جيبه ، وستجد (قنينة) بنزين لملئ مقدحته ، وبعض عينات من القمح ، وكتيب للمولد النبوي وبكيت حلو شعبي أو بعض التمر الخ .

كان يتوسط ( المضافة ) حفرة بسيطة مربعة طول ضلعها أكثر من متر بقليل ، ثم صبت أرضيتها أو ثبت بها أحجار ملساء ، وحددت بأحجار ملساء أيضا ، لتصبح موقدا توضع به ( دلال) صنع القهوة .. فيحيط الجلساء بها ..

وعلى بعد منها ، يكون هناك ثقب مصنوع بمتانة ، ليثبت به عمود معدني بطول مترين أو أكثر قليلا ، معقوف الرأس ، يتدلى منه قفص زجاجي مثمن الشكل ، مثقوب من أسفله ، ويثبت داخله ( سراج ) يزود بالنفط ، من أجل الإضاءة ..

أما سقف الغرفة ، فإنه يكون من قصب خاص ، يتراص بجانب بعضه البعض ويكون بسمك ( بوصة ) تقريبا .. ويرتكز على جسور معدنية بشكل حرف H وتكون الأبعاد بين جسر وجسر حوالي المتر تقريبا .. كانت بعض طيور السنونو تعشش به ، دون أن يضايقها أحد في مرواحها و مجيئها لاعتقاد بقدسية ذلك الطير .. وقليل من الناس من كان يغطي منظر القصب هذا بطين أو ( كلس ) أو إسمنت ..

كنت تجد أحيانا بعض البيوت ، علق عليها صورة ( لفاطمة المغربية ) أو (جول جمال ) .. أو ( الزير سالم ) .. وبعضهم قد علق على الجدران التي صبغت بمحلول كلسي أحيانا يلون بلون ( النيلة ) .. قطيفة ناعمة ، لا يمكن معرفة لونها الأصلي تماما لما عشقت من أدخنة الفحم أو الحطب الذي اشتعل طيلة سنوات .. ونادرا ما تغسل ظنا من أن صورة الوحش الذي عليها ستزول بالغسيل ..

أما غرف ( النوم ) وهو اسم أتحفظ عليه ، فكانت أقل سعة من المضافة ، فكنت تجد بها ترتيبا بجدرانها ، يسمح بطي الفرشات و الألحفة عليه ، وان كان ساكنوها هم من المتزوجين خلال عشر سنوات ، فإنك ستلاحظ بأعلى الجدار المقابل ، رفا من الخشب الذي ثبت عليه حافة متعرجة ، لونت بلون أخضر قاتم ووضع وسط اللون الأخضر بقع بيضاء .. ورص فوق الرف بعض الأواني النحاسية ، والسلطانيات ، للتفاخر بأثاث العروس ، وعلق أسفل منه ، بعض الأواني التي صنعت من قش القمح ، ولكل آنية اسم يتناسب مع وظيفتها ، (فالمرجونة لحفظ الخبز ) و ( المغمقان لنقل الحبوب) و ( القبعة لحفض البيض) و( الطبق يوضع تحت السفرة !) .. الخ

كانت أرضيات الغرف تكسى ببساط من شعر الماعز أسود يقال له (بلاس) وأحيانا يكتفى بالحصير لتغطية الأرضيات .. وكان من يجلس في تلك الغرف من النساء ، لا بد أن يكون بجانبها ( رمح ) من قصب طويل ، لطرد الدجاج الذي يقتحم عليها انشغالها بتنقية بعض الحبوب ، وحتى لا يلوث أرضية غرفتها بالزرق ..

كانت النسوة ، لا تتحرج من رؤية الداخلين الى حرم الدار ، ولكن الاحتياطات كانت كافية ، لأن تكون المرأة في حيطة فيما لو دخل أحدهم حرم الدار ، وهي في ملابسها الداخلية ، والتي هي أكثر سترة من ملابس اليوم في جميع الأحوال ، فقد كانت تعاريج ممرات الدار ، تسمح بسيطرة من في الداخل على رؤية القادمين ، لا العكس ، تماما كما في أوكار الثعالب ..

يتبع

ابن حوران 17-04-2006 03:57 PM

الإطار المرجعي للفكر العربي :

( 3 )

عندما يريد الباحث ، أو حتى القارئ ، أن يتتبع أثر تكوين بداية المرجعيات للفكر العربي بعين منهجية فاحصة و متأنية ومحايدة ، وينظر في السنين الأولى لعصر التدوين وبالذات الى ( العلم ) حيث كان يقصد به الأحاديث النبوية وما يتعلق بها .. فإن عليه أن يتفحص ( ما سكت عنه ) لا ما قيل وكتب فقط .

فلو نظرنا اليوم ، في عصرنا الراهن ، عما يكتب و يفسر من أحداث ، وما يملأ الصحف والمجلات و الكتب و وسائل الإعلام الأخرى ، لرأينا أن ( ما يسكت عنه ) أكبر و أكثر و أقرب للحقيقة ، ولكن الظرف السياسي ، وموازين القوى تحتم ، أن يطفو على السطح ما أقرب ، لمن بيده القوة الأكثر .. وان كان لا يستطيع محو و إزالة ما يثار من أصوات لا تتناسب مع صاحب القوة ..

ففي عصر تدوين الحديث والفقه ، ظهر ( ابن جريج ) بمكة ، و ( مالك .. الموطأ ) بالمدينة المنورة .. و( الأوزاعي ) بالشام .. و ( ابن أبي عروبة وحماد بن سلمة ) بالبصرة و ( معمر ) باليمن و ( سفيان الثوري ) بالكوفة ، وغيرهم في أماكن متعددة من بلاد المسلمين ..

وبالمقابل ، إذا عرفنا أن ( جعفر الصادق ) الإمام الشيعي الأكبر والمتوفى سنة 148 للهجرة ، قد تم في عهده تدوين علم الحديث ، وفق النظرة الشيعية ، فان نصوص ( علماء ) الحديث قد أغفلت جهده .. كما أغفل (علماء) الحديث الشيعة جهد الآخرين ، ليس سهوا من الطرفين ، بل إصرارا وفق وجهة نظر مراجعهم العليا ، والتي لم تكن بعيدة عن النظرة السياسية السائدة ، أو ما يعارضها .

ثم أصبح التباري عند العلماء برد جهود جمع الحديث و الفقه الى ما قبل البداية الرسمية لعصر التدوين ، وهي ( 143 للهجرة ) .. فيروي أهل السنة أن جهد جمع الحديث بدأ بأيام الخليفة الأموي ( عمر بن عبد العزيز 99 ـ 101 هـ) ، حيث كتب الى أهل الآفاق أن ( انظروا الى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاجمعوه ) ..

ويرد أهل الشيعة على ذلك ، على لسان أحد كبار علمائهم ( السيد حسن الصدر المتوفى سنة 1354هـ ) ، بأن الشيعة قد بدئوا بجمع الحديث منذ عهد الخلفاء الراشدين ، فيشير الى أن ( سلمان الفارسي ! ) أول من صنف في الآثار وأن أبا ذر الغفاري كان أول من صنف الحديث ، و أن ابن أبي رافع (مولى الرسول صلوات الله عليه ) ألف كتابا بعنوان ( السنن و الأحكام والقضايا ) .

لقد كانت عملية الجهد في جمع الحديث ، في أحد أهدافها الخفية ، تتم ( لشرعنة) أو ترسيم ( جعله رسميا ) الحكم السياسي أو المعارضة له ..

لقد أوصل ذاك الماضي لنا وضعا ، جعل المستشرقين ، وخدم السياسات الغربية ، أن يصنفوا أن هناك إسلام ( سني ) و إسلام ( شيعي ) .. والحقيقة أن هناك ( عقل سني ) و ( عقل شيعي ) .. أي أن الأداة التي ينظر الى الأمور السياسية والحضارية تجاهها ومن خلفية دينية ( محاذية ) أو ( متقفية ) هي ما يجعلنا نميل الى ذلك التصنيف ..

هناك مسألة أخرى ، لم ينتبه لها من قام بعصر التدوين ، وما تبعهم من متأثرين بهم ، وهي نبذت لأنها لم تدخل في جانب العلم ( ! ) .. وهي النظرة الى علم الكلام و علوم الأوائل .. إذ أن تاريخ (143 هـ ) قد سبقه جهد (واصل بن عطاء ) المتوفى سنة 131 هـ ، وجهد ( الأمير خالد بن يزيد بن معاوية ) المتوفى سنة 85 هـ ، والذي اجتهد في علوم الكيمياء و الطب والترجمة ، في حين تم إغفال جهده والانتباه ل ( جابر بن حيان ) تلميذ (جعفر الصادق ) ..

ومن الجوانب الأخرى التي سكت عنها ، هو الجهد في حركة تعريب ( الدواوين) الذي ابتدأ في عصر عبد الملك بن مروان ، بعدما أخذ التلحين باللغة ، يتأثر بموظفي الدولة ( خبراء تكوينها ) الفرس والروم .. مما جعل هؤلاء أن يلتزموا تعلم اللغة العربية ويعلمونها لأولادهم ، وهذا ترك أثرا في تطويع لغة الشعر ، الى لغة حضارية أثرت فيما بعد على مسار تلك الحضارة ..

كما أغفل التدوين الجهد الذي بذله ( ابن المقفع ) في الكتابات السياسية ، والذي ظل كتابه ( كليلة ودمنة ) يأتي بالمرتبة الثانية بالتداول ، بعد القرآن الكريم ، رغم أن آراء ابن المقفع كانت طاغية على النص المترجم ، فإنه لم يشر في الكتاب أي إشارة الى القرآن .. وهي دوافع ( علمانية ) في النظر لمسألة السياسة ، لم تنتبه لها النصوص ..

ننتهي الى القول في هذا المجال ، بأن ملاحقة الماضي لأبناء اليوم ، هي من تقود سلوكهم ونشاطهم ( الإيبيستمولوجي ) .. والذي لا بد من تحييد الجانب المعرفي به ، أو على الأقل توظيفه بثوابته و نواقضه ، فيما يمهد لمرحلة تأسيسية أقدر على التعاطي مع الواقع ..

ابن حوران 22-04-2006 04:30 PM

(8)

لو سألك أحدهم عن ملحقات الدار ، فإنك ستفاجأ للحظة ، ثم تستحث ذاكرتك ، لتكتشف أن ملحقات الدور لم يعد منها قائما في هذا الوقت أي نموذج ، فستبادر لنفض غبار السنين الطويلة من على رفوف مخططات بسيطة وبدائية لتوابع ، لن تخطر ببال أحد إلا في لحظة تصميمها ..

لم يكن في الدور ، خطوط لإسالة المياه ، لا الواردة ، ولا المصروفة ، فكنت ستجد بئرا حفر في منتصف ساحة الدار ، بعمق يصل أحيانا الى ثمانية أمتار ، ويأخذ شكل حفرته ، ثمرة الكمثرى ، كان يحفره أناس صبورون ، بعد إزالة التربة الطينية ووصولهم الى طبقات الصخر ، فإنهم ينقرون في الصخر بجلد كبير لمدة شهرين أو أكثر ، بواسطة أدوات معدنية ، العمل بها مضني .. ويضعون في أعلى الحفرة بكرة يربط بها حبل مزدوج ، لنزول من يحفر صعوده ، ولاستخراج ما يجمعه من قطع صخر ، فيضعها بقفة ويقوم بشد طرف الحبل حتى تتناول القفة في النهاية زوجته أو ابنته منه .. فترمي محتوياتها في مكان يبعد عدة خطوات عن مكان الحفر .. وستوظف تلك القطع الصخرية في شأن آخر ، ذات يوم ..

كانت الآبار تتسع بعد تشييدها و إغلاق مساماتها الصخرية بواسطة ( الجير) الى حوالي مئة متر مكعب من الماء .. وكان هذا يكفي طيلة العام ، لسقي الحيوانات و القيام باستعمال ماء البئر في شؤون أخرى ، عدا الشرب ..
وكانوا يزيلون ما ترسب به من ( سمالة ) أي الطين كل خمس سنوات ، ويوظفوا ذلك الطين في عمل ( الطوب ) بعد خلطه بالتبن ليشتد و لا يتشقق !

كان يلحق بالبئر (جرن ) وهو قطعة حجر تتسع لأكثر من خمسين لترا من الماء ، توضع في تجويفها الذي نقر ليصبح كماعون ، به فتحة في أحد زواياه السفلى ، لتصريف ما يتبقى من الماء المتسخ ، من عبث الحمام أو الدجاج ، أو ما ينزل من أفواه المجترات التي شربت منه ، وكان أحيانا يوضع به قليل من القطران لشأن يخص الحيوانات ، خصوصا الأغنام و الجمال ..

وكان يرمى بجانبه دلو من كاوتشوك أو سطل قديم ، تثبت بأعلى فتحته الواسعة ، قطعة خشب ليربط بها الحبل ، فكان من يستخرج الماء ، يرمي بالدلو الى أسفل البئر ، ثم يمتحه بثلاث أو أربع أو خمس متحات ، وكان من يراقبه عن بعد يتخيل له أن هذا الماتح ، الذي يضع قدميه منفرجتين على حافتي فتحة البئر ، كأنه يقوم بتمارين سويدية من نوع خاص ، هذا بعد أن يكون قد اطلع على تلك التمارين !

كنت ترى في جوانب ساحة الدار ، جدران أقيمت لا على تعيين ، بل لشأن لحظي ، لحبس صغار الماعز ، أو لعمل ( مرحاض) دون حفرة طبعا ، فالدجاج المتجول بساحة الدار ، كفيل بإزالة أي شيء يلقاه ، ولم تكن موجودات المراحيض قد سجلت في قائمة الممنوعات للدجاج ..

وكنت ترى ، قبة من طين صغيرة يقال لها ( قن ) لحجز صغار الكتاكيت و أمهم ( القرقة ) .. كما أنك لو تجولت ، ستجد حظيرة للأبقار ، أخذت زاوية معينة في ساحة الدار .. وسيصادفك بعض الحجارة المثقوبة الناتئة من حائط قائم ، لربط بعض الجمال أو الخيل ..

وكنت تجد بناء مكعب من مترين تقريبا ، تربض به جرة ( خابية) تتسع لحوالي ربع متر مكعب من ماء الشرب .. ومظللة بسقف يمنع أشعة الشمس . كما ستجد حفرة صغيرة في الأرض ، شيدت لوضع الماء للدجاج المتجول ، والحمام الذي ينزل بين فينة و أخرى لالتقاط رزقه أو لشرب بعض الماء .

كما أنك إذا كنت في غفلة من أمرك ، ستصطدم بحبل غسيل ( سلكي) قد هبط قليلا حتى أصبح بمستوى رأس رجل طويل ، وكان يستخدم لنشر الغسيل ، وحفظ اللحوم الزائدة عن القطط ، فاذا ما زاد بعض اللحم ، و أي لحم ، لا بد لذلك من قصة أخرى ، فإن أهل الدار سيرفعون اللحم ليبقى طازجا بقدر الإمكان في صرة معلقة على حبل .. وكانت القطط المقهورة التي تراقب الصرة ، ولكن لا تطولها ، هي من تكشف لك السر ..

أما مياه الصرف الصحي ، وهي قليلة جدا فكان يحفر لها حفرة بحجم حفرة الأشجار ، بجنب كل غرفة بها زوجين ويستحمون داخلها ، ونادرا ما تمتلئ لشدة التقنين باستخدام المياه ..

كنت تلاحظ مجموعة من ( الطواقي ) وهي حجرات صغيرة تصنع من طين على حافات الأسطح ، يربى فيها الحمام ، وتكون بوضع يصعب على القطط الوصول الى (الزغاليل ) .. التي كانت تربى لتغذية ( النفساء ) أو تهدى للعرسان أو النقهاء من مرض ..

كنت تلاحظ سلما ، مركيا على حافة حائط ، يستخدم للصعود على الأسطح ، والتي كان لا يصعد عليها إلا في المناسبات ، حتى لا تصبح نافذة لماء المطر ، من كثر السير فوقها ، فكانت تتكون من طين وقصب و تبن و بعض الجسور الحديدية أو الخشبية ، وكان يضاف عليها طبقة من الطين ( المملس ) كل عام لإغلاق الشقوق ، التي تتكون بعد موت الأعشاب التي نمت من بين طين السقف والتي جاءت بذورها إما من التراب المستعمل أو التبن الذي خلط مع الطين .

كان الصعود على الأسطح ، يعتبر ظاهرة غير محببة ، لما سيكشف من عورة الجيران ، ولو أن ذلك قد تمت الاحتياطات له ، لكن كانت مناسبات الصعود على الأسطح يعلمها الجيران ، فهي إما لإضافة الطين ، أو لنشر القمح المسلوق ، لعمل البرغل ، أو لنشر اللبن المنطل ( الجميد ) أو ( الكشك ) ..

يتبع

ابن حوران 26-04-2006 04:54 PM

(9)

يقال أن في اللغة العربية ، عدة ملايين من المفردات ، هناك من يبالغ بعددها فيجعله اثني عشر مليونا ، وهناك من يقول أنها أقل من مليون قليلا ..

مع ذلك فان أهل العتيقة ، لم يكونوا يستعملوا من هذا الكم الكبير ، إلا بضع آلاف من الكلمات ، وأحيانا بضع مئات تستخدم لعدة أشهر ، دون ملل .. ليس لجهل السكان باللغة ، وان كانوا كذلك ، بل لعدم حاجتهم إلا للقيل منها ، تماما كما يحدث في ورشة لتصليح السيارات ، فان الأوامر والأدوات و التشخيص يحصر في قليل من الكلام .. و أحيانا لا يفقهه إلا من يستعمله فقط ..

كانت ( الشمرة ) أي التعبير والطريقة التي تقال بها العبارة المقتضبة ، أبلغ بكثير من استعمال العديد من الكلمات المرصوصة .. فكان إن أراد أحدهم أن يمتدح زرعا في منطقة مر عليها ، يقول ( والله زرع غرب البلدة ) فيصمت قليلا ويضيف ( زرع) .. ويتوقف ، ولكنه يتكئ على ( الزرع) الأخيرة ويعطيها بعض القوة ، مع تجهم في تقاطيع وجهه .. و إن أراد أن يتهكم على قوة رجل ضعيف فيقول ( ما شاء الله عن مروة فلان ) .. فيصمت مبتسما بمكر ويضيف (مروة) .

أما إن أراد أن يأمر أحد أولاده بالنوم .. فيقول ( انغمد ) .. أي ادخل بفراشك كما يدخل السيف بغمده .. وهي إشارة قاسية وكافية لجعل الطفل ينصاع لأوامر أبيه دون تأخير .. و إذا أراد أحد أن يرد صاحب طلب من ذويه (أبناءه أو أقاربه أو معارفه ) فانه يقول له ( تخيب ) .. أي اذهب خائبا فأنا لا أوافقك على طلبك أو رأيك ..

كان لفظ الجلالة ، يحتل مساحة واسعة من كلام أهل العتيقة ، فإن أراد أن يدعو أحدا لتناول الطعام فإنه يقول ( جيرة الله ) .. وإن أراد أن ينبه من في البيت يقول ( يا الله .. يا الله ) .. وان أراد أن يستعجل أحدا فانه يقول (يا الله عاد ) .. وإن رأى طفلا يسقط صاح ( الله .. الله ) .. وإن أراد تقدير كمية ، بالحجم أو العدد أو الثمن يقول ( يا الله تطلع هالقد ) .. و إن أراد أن يرتجي من الله شيئا فيقول ( يا الله ) .. كثيرة هي الجمل المكررة التي يستخدم فيها لفظ الجلالة .. حتى في بداية احتفالات العرس تبتدئ حلقة استهلال الاحتفال ب :

أول الفال ذكر الله لزوم .... نذكر المعتلي قبل الكلام

وعند زفة العريس يقال :

يا الله يا الله يا معبودي يا عالي ... تغفر لنا ذنوب بالجهل عملناها

لقد كانت اللهجة التي يتكلم بها أهل العتيقة موحدة ، فبالرغم من أن جذور أهل القرية تعود الى فلسطين ومصر وليبيا والحجاز وسوريا ، وعائلة واحدة من العراق ، وبعض عائلات من جنوب الأردن ، إلا أنهم اتفقوا على لهجة (جلفة) تتناسب مع قساوة حياتهم .. فكانت الكاف عندهم تلفظ كما هي في (تشيكوسلوفاكيا ) فان سألك أحدهم : كيف حالك ، يقول (تشيف حالك ) .. ويتطيرون ممن يلفظ الكاف كما هي ، ويعتبرونه متكلف أو مائع ..

وبالرغم من محدودية الألفاظ المستعملة ، فإنك تجد بأمثالهم عمق تاريخي بعيد ، ينم عن مخزون متوارث يمتد الى آلاف السنين .. فعندما يأتي المطر مبكرا ، كنت تسمع من يقول ( إلقحت ) .. أي تلقحت الأرض .. وهو اعتقاد سومري قديم بأن السماء ( ذكر ) و الأرض ( أنثى ) .. وها هي قد تم تخصيبها نتيجة المطر المبكر .. أما إذا دخل (فبراير ـ شباط ) وبدت الحيرة على وجوه الفلاحين ودخل بعض اليأس الى نفوسهم ، فإنك ستسمع مثلا ( بمشير يتساوى اللوكسي مع العفير ) ..أي أن الزرع الذي زرع مبكرا (عفير ) والذي زرع متأخرا (لوكسي ) ، سيتساويان في شهر مارس/آذار .. وهو (مشير) بالتقويم الفرعوني ..

ثم تجد في لغتهم ما يدل على معرفة بالجغرافيا ، فاستقرت قصص في مخزون ذاكرتهم الجماعية ، خصوصا عندما يقوموا بالغناء فتسمع أحدهم يغني ( يا بارزا بين السويس وجدة ) .. ثم يحكي حكاية بنمط غنائي ..

أما اختزال اللغة فكنت تلحظه ، عندما يخرج المنادي ( الصيَاح) ، يبلغ الناس عن فقدان شيء .. فيصيح بأعلى صوته ، وكنا نسمعه على بعد خمسة كيلومترات ، لسكون الجو وخلوه من ضجيج .. فيقول ( يا من شاف .. يا من سمع .. يا من علم .. يا من نشق خبر ) ويكمل بتوصيف المفقود .. فيخبر الجميع بعد أن يضعهم في دائرة العقاب من الله .. بأن من رأى أو سمع أو علم من خلال طرف آخر ، أو استخدم عقله في الاستنتاج ( نشق خبر ) عن ذلك المفقود أن يبدي معلوماته ، ثم يذكر التحذير لمن يخفي ذلك !

يتبع

ابن حوران 02-05-2006 07:17 PM

الأعرابي .. صانع العالم العربي ..

(1)

ليس هناك جنس من البشر ، تؤثر اللغة فيهم وفي تفكيرهم ، من حيث الشكل والطريقة ، كما يحدث لأبناء العرب .. وإن كان لنا أن نتمعن في تلك الحالة فسنجد ذلك الافتخار باللغة المعلن عنه أحيانا والصامت أحيانا أخرى ، نابع من كونها لغة حية ، لم تصمد أي لغة عند البشر بالشكل الذي صمدت به اللغة العربية .. فلا يستطيع الانجليزي أن يفقه لغة شكسبير وهي لا تساوي ثلث المدة الزمنية التي يفقه بها ابن العرب لغة شعراء الجاهلية ..

ولذلك ارتبط العربي بالفصاحة وارتبط غيره بالعجمية ، وهي الصفة النقيض للفصاحة .. وقد ورد بالقرآن الكريم ، تلك الثنائية ( لسان عربي ) وبمكان آخر ورد ( عجمي ) كنقيض للعربي .. وهذه التزكية قد دفعت العربي على التباهي بقدرته الفصيحة على أقرانه من الذين اعتنقوا الإسلام فيما بعد ، وجعلت اللغة كأداة ( عقلية ) لأداة ( العقل) نفسه على الرؤية للأمور وفهمها ..

وعندما وضعت القواعد والاشتقاقات للغة العربية منذ أربعة عشر قرنا ، ولا زالت تلك القواعد ثابتة لحد اليوم .. فقد كانت الاشتقاقات و القواعد هي ذات النهج الذي بنيت عليه المحاكمات والاستنتاجات الفقهية .. وهنا سنتوقف عند هذا الحد لنعود اليه في المستقبل عندما نتكلم عن النظم المعرفية ..

لقد أحس العرب أنهم قدموا للعالم ، دين ولغة ، و تلك الثنائية ، جعلت من يدعون أنهم اعتنقوا الإسلام أن يثبتوا إدعائهم بشكل أكثر ، في تعلم اللغة وتعلم أصولها ونحوها ، الكتابة بها .. حتى يصبحوا من الذين يؤخذ عنهم و يتم ذكرهم .

وعندما تغيرت الحروف وتغيرت الكتابة عند الشعوب المسلمة ، من العربية الى لغاتهم الأصلية ، تم ربط هذا التغير بدوافع اجتماعية وسياسية ، أثرت على صب جهود العلماء في ماعون ( أو وعاء ) التفكير الذي ، يتغذى منه العقل العربي ( كأداة ) ..

يعد المفكر الألماني ( هردر ) [ 1744ـ 1803] أول رائد ربط اللغة بالفكر ، ونحن إذ نتحفظ على دوافعه القومية في نظريته ، لا بد أن نقر بالجزء الذي يتعلق باعتبار اللغة ( قالب ) لصنع الرؤية للعالم الخارجي و تقييم الأمور .. فالطفل تتكون نظرته و تتجسد للرؤية والتعبير عن الحياة من خلال الكلمات الأولى التي يأخذها من أمه ( لغة الأم ) .. ويبني عليها مداركه تدريجيا وفق ما يسمع من الآخرين .. فهذه الكلمات أو ( اللغة ) بنظر هردر هي بمثابة القالب الذي تصنع به الأفكار ، تماما كقالب الكيك أو الطوب ..

ويضيف ( هردر ) الى ما توصل اليه الفلاسفة في ( كل التراث الفكري العالمي) بأن [ الحقيقة و الخير والجمال ] هي أسمى ما يسعى اليه كل أبناء البشر ويعطيه ذلك القدر من قدسية تلك الأهداف .. فأضاف لها اللغة ، كركيزة مستترة تنافس أو تحاذي ذلك الثالوث .. وهو هنا يرمي بطرف خفي للقومية !

لقد شارك ( هردر ) بنظرته تلك عن أهمية اللغة و أثرها في العقل ، مجموعة من العلماء ( آدم شاف ، وإدوارد سابير وولهلم فون همبولد ) فلخصوا ذلك بمفاهيم يمكن تكثيف محتواها ب ( إننا نفكر كما نتكلم .. ونتكلم كما نفكر ) ..

وهناك أمثلة كثيرة ، ساقها العلماء للتدليل على صحة نظريتهم ، اعتمدوا فيها الحالة عند بعض الشعوب البدائية .. فضربوا مثلا أن البيئة التي تحتم على عينة من الناس شكل ودلالة المفردات ، كشعب ( الأسكيمو ) حيث أن المفردات الخاصة بالثلج والإنجماد وغيرها .. ليست معروفة عند أبناء الصحراء العربية ، فقد تجد عند الأسكيمو آلاف الكلمات الدالة على الثلج و أطواره ، في حين بالكاد يعرف ابن الصحراء العربية واحدة منها ( الثلج مثلا ) .. بالمقابل فإن المفردات التي يستعملها ابن الصحراء العربية الدالة على الرمل والحرارة ، فإنها ستكون بالآلاف ، ولا يعرف ابن الأسكيمو عنها شيئا ..

ابن حوران 02-05-2006 10:28 PM

( 10 )

لم يكن هناك حاجة للعلم في تلك القرية ، فما الحاجة الى معلومات لا توظف في مجال ؟ .. هذه كانت فلسفة أهل العتيقة ، والتي كانوا يفصحوا عنها أحيانا ، كانت بعض المهارات التي تنتقل بالمشافهة ، من خلال التجارب أو الأوامر المخلوطة بالضرب ، كفيلة بتعليم الصغار ، ما سيقومون به .. فالعلم ، عادة يأتي محاذيا لعلاقات الإنتاج ، وطالما أن نوعية الإنتاج ، كانت محصورة بنمط معروف جدا وهو الزراعة البعلية ( الديمية ) التي تعتمد على الأمطار .. فلا علوم مطلوبة ، ولا حاجة للتدرب ، طالما أن المدربين والملقنين يقفون على رأس عملهم ..

مع ذلك ، وتحسبا للأخطاء في عد الأشياء التي تحتاج عدا ، كعبوات التبن أو الحبوب ، أو الخراف أو غيرها ، فقد رأى أهل القرية أنه لا بأس من التعلم قليلا ، إذا كانت كلفة التعليم غير عالية ، ووقت التعليم ، لا يؤثر على أوقات الاستفادة من الأطفال .. في حين لو أراد أحدهم أن يكتب سندا أو ( حجة) فكان بالعتيقة عدة أشخاص يحسنون التعامل مع الكتابة من هذا النوع ..

كان أهالي القرية ، يبعثون أطفالهم لكتاتيب يقومون بتعليم أطفالهم القراءة والكتابة وبعض علوم الحساب ، مقابل أن يأخذ الطفل معه رغيفا من الخبز كل صباح ، وبعض البصل يوم الخميس ، وعندما يختم ( جزء عما ) فإن للشيخ المدرس مكافأة تساوي علبة من القمح ( 60 كغم ) .. وإذا أنهى (ربع يس) فإن له ضعفها ، وإن ختم القرآن فله هدية يعرفها الجميع ، وهي تكون جديا ، أو (تنكة) سمن أو شيئا من هذا القبيل ..

كان في العتيقة ثلاثة من الكتاتيب ، أحدهم له شهرة ، ويثق بقدراته أهل البلدة أكثر من الآخرين ، وكان هو مؤذن البلدة ، كان قد تلقى تلك المهارة من والده الذي تلقاها هو الآخر من والده القادم من مصر ..

كان عصبيا جدا ، ولكنه يحفظ من قصص طريفة ، يتندر بها أمام زواره ، وقد كانت تلك القصص مقتطفة من ( كتاب المستطرف للمحلي ) .. والذي كان من بين عدة مئات من كتب ، طبعت في مطبعة بولاق منذ أكثر من قرن ..

كان يحتفظ بمحاليل معينة يستخدمها كحبر للكتابة ، وينشغل أحيانا بمعالجة بعض عيدان القصب ، لصنع أقلام للكتابة بها ، فكان يشطف رأس القصبة بطرف السكين ، ليخط على ألواح من صفيح يحضرها الأطفال معهم .. وكان يضع بجانبه مجموعة من مطارق من الرمان لضرب بها المقصرين ..

كان يتجمع ب (المكتب ) وكان هذا اسم المكان الذي يجري فيه التدريس ، حوالي ستين من الأطفال ، خمسهم أو سدسهم من الإناث ، اللواتي كن يجلسن بالقرب من الشيخ في مكان يفصلهن قليلا عن معشر الأطفال الذكور ، وحتى لو لم يكن على بعد ، فلم يكن هناك مجالا لشيء غير مرغوب فيه ، لقوة حضور الشيخ ورهبته ..

كان يقوم بتدريس كل طفل على حدا ، ويحفظ علة كل طفل و أين وصل ، وأين يخطئ ، وكان يستعين باللوح المعدني الذي في يده ، فيقرأ الطفل الذي يجلس على يمين الشيخ قرب كتفه الأيمن ، مرعوبا خائفا ، من أن يخطئ في تسميع الدرس .. فكان الشيخ يمسك باللوح و يسأل الطفل عن الحروف الخمسة الذي أخذها كدرس أول .. هذه : فيجيب أ وهذه فيجيب ب وهذه فيجيب ت حتى ينتهي ثم يعيد السؤال بترتيب مختلف فيشير الى الجيم ، ومن بعدها التاء ، وإن أخطأ الطفل في تسميع الشيخ قراءة الحروف ، يلكزه في طرف قلم القصب برأسه ، ويعيد عليه ( هذه .. يا ابن الكلب ) .. فإن وثق الشيخ بقدرة الطفل ، أضاف له خمسة حروف أخرى حتى ينتهي ، ويتعود الطفل على قراءة الحروف الأبجدية .

ثم يرتقي التدريس الى ( أبجد هوز .. حطي كلمن الخ ) .. ثم يدخل الى التشكيل مباشرة ، ألف فتحة ألف كسرة ألف ضمة ألف سكون ، وحتى الياء ، ومن بعدها ألف فتحتين ألف كسرتين ، ألف ضمتين الى الياء ..

أما درس الحساب ، فكان يتناول الحساب على الطريقة العثمانية ، فبعد الأعداد وتعلمها ، تلي ذلك الجمع والطرح والضرب والقسمة ، وكانت عمليات الضرب تخضع لميزان خاص ، لمعرفة عملية الضرب إن كانت صحيحة أم خاطئة ..

أما الحالة الجماعية للتدريس ، فكانت تتم بقراءة القرآن من سورة الناس الى سورة الفجر .. يتم قراءتها جماعيا ، حيث يقرأ الشيخ آية أو قسما منها ، والأطفال يردون عليه بصوت بهيج ( الهكم : الهكم ) .. ( التكاثر : التكاثر ) .. كان هذا اللون يتم يوميا قبل انصراف التلاميذ ..

أما المتقدمين ، فإنه يفرد لهم وقت خاص على مسمع البقية ، لكن دون تدخل غيرهم في الدرس .. فإن أنهى أحدهم ( ربع يس ) .. يجري له زفة الى مقام ولي ، وهو يلبس ثوبا أبيضا و عباءة مقصبة ، ويحمله ولد أكبر سنا على أكتافه ، ثم يمر به على بيت والده ، فيأخذ بشارة .. وعند الختمة الكبرى ، حيث يتخرج الطفل .. يكون الاحتفال أكبر ، وطبعا سيكون عمر الولد وقتها ، حوالي الخمس عشرة عاما ..

بالمقابل ، كان هناك مدرسة حكومية بها للصف الرابع ، ينظر لها المواطنون نظرة رهبة ، ولا يبعثون أبناءهم لها .. لأنهم إن فعلوا ذلك ، فعليهم أن يكملوا المشوار باستئجار غرفة لهم في مدينة قريبة تحتاج على ظهر الحمار للوصول لها حوالي أربع ساعات ..

ابن حوران 09-05-2006 12:57 PM

(10)

لاحظ أحد الأطباء الذين كانوا يشرفون على الحالة الصحية في سجن سالسبوري بروديسيا (زمبابوي الآن ) ..أن كلبا كان يركض في الساحات الشاسعة خلف السجن ، ويقوم بشم النبات هذا ويتركه ، ويشم ذاك النبات ويتركه ، والطبيب يراقبه من شرفة سكنه ، حتى توقف الكلب عند نبتة وتناول منها عدة قضمات ، وبعدها بقليل أفرغ ما في بطنه . فهرع الطبيب الى النبتة وأخذ منها قطعة وفحصها ، فإذا بها بعض المواد المقيئة .

لا تستطيع حيوانات البراري إذا ألم بها المرض ، أن تذهب لعيادة طبيب بيطري وتشتكي له من صداع أو ألم في الكبد ، فقد زودها الله بتلك الخاصية ، لتبحث عن علاجها بين نباتات الطبيعة ..

بالعتيقة ، كما في غيرها من القرى القديمة ، لم يكن هناك عيادات طبية ، ولم يكن هناك أطباء في كل المنطقة ، فاللواء كله لم يكن به إلا طبيب واحد من أصل إيراني ، ومن يدري فقد لا يكون طبيبا ، فلم تكن هناك جهات وقوانين تقرر إن كان هذا قد نال شهادة الطب أو أنه أهل لمزاولة تلك المهنة ..

لم يكن أحد يعير اهتماما بالمريض ، فالمرض والموت أكثر أصدقاء أهل القرية غير المرغوب بهم زيارة لتلك القرية . فإن مرض أحدهم وكان موكل إليه مهمة الحراثة ، فإنهم لا يمنحونه فرصة كبيرة للاستراحة ، أو حتى أن يعبر عن مرضه ، ولو بالتأوه .. ويكون هو على علم بتلك المشاعر ووجاهتها ، فإن تأخر عن أداء عمله ، فإن عليه أن يبذل جهدا مضاعفا فيما بعد لإنجازه ، فقد عرف أن هذه هي حصته من الواجبات ..

كانوا يفقدوه إذا ساءت ظروفه كثيرا ، بقليل من اللبن والثوم ، و أحيانا يعطوه بعض البصل مع الطعام كحظوة إضافية ، عله يخف ويقوم الى عمله بوقت أبكر ، أو يحضرون له عجوزا ، تحتفظ ببعض المهارات وبعض أصناف أدوية مثل ( السنامكة ، والمروحة ، والعنزروت وغيرها ) .. كانت وهي قادمة تصلك روائح تلك المواد النفاثة قبل وصولها لتنبئ عن قدومها ، دون أن تراها .

كانت تستخدم تلك المواد ، فتضبط معها من بين كل عشرين حالة ، حالة تمدها ببعض الشهرة لحين أن تضبط حالة أخرى ، كانت لا تتكلم كثيرا ، ليفضحها جهلها في تفسير ما يلم بالمريض من حالة ، حتى لو كان سرطان الدم ، فإنها تتمتم ببعض الكلام غير المفهوم ، محاولة أن تبقي على حضورها في ذاكرة أهل البلدة لفترة طويلة ..

ولم يكن لدى أهل القرية خيارات متعددة ، للقبول بتلك العجوز أو رفضها ، بل بالعكس ، ما أن يقال لهم عن وصفة ، فيهبوا إن ساءت الحالة لتنفيذها ، فإن أشار عليهم أحد بوضع لوح صبار مشوي على رقبة أو ظهر المريض ، فإنهم يقوموا بالسفر لأقرب قرية بها تلك النبتة فيحضروها ..

وإن قال أحدهم أن ( كاسات الهواء ) هي الحل ، سرعان ما يحضروا مثل تلك الكؤوس وهي أكواب زجاجية ذات مصنعية رديئة ، لها فتحة مستديرة ، ثم تنبعج لجهة الأسفل لتكون أكثر اتساعا ، فيحرقون بها ورقة أو خرقة قماش ويضعونها على أماكن في جسم المريض فيتضايق من الحرارة ، فتنتفخ أجزاء جلده نحو داخل ( الكأس) .. ومن حوله يطمئنوه بأن الفرج قريب ..

و أحيانا كان أحدهم يقوم بكي نفسه ، للخلاص من ألم المفاصل ، فيضع على مكان الألم قطعة خاصة من عشب جاف يقال لها ( قدحة) ثم يضع في بطن تلك العشبة ، حبة حمص ، ويولع بها ، وتراه يخرج صوتا كأنه ( زغرودة ) لكن باتجاه معاكس ( للداخل ) وذلك من شدة الألم .. حتى تطق حبة الحمص ، فيعرف عندها بأنه قد أتم عمليته بنجاح .. كان بين أثر الكي والآخر في جسمه لا يزيد مسافته عن ثلاثة أصابع .. وبعد يومين يخرج من جسمه صددا ، فيعتقد أن الألم قد سحب مع هذه الأوساخ ، ولم يدر بخلده وخلد من كان يتعاطى تلك الطريقة ، بأن الأثر الفيزيائي لإحداث الالتهاب هو ما فعل ذلك !

و أحيانا يحضرون عجوزا ، تتمتم ببعض الكلام ، لو راقبه أي عاقل ، لما وجد به أي حكمة ، فكانت تقول ( حوطتك بالله .. والنايمين تحت الشجرة .. لا يأكلون .. ولا يشربون .. عين الولد فيها وتد .. عين المرا بيها (...) ) .. و تتثآئب وتتكلم وتأتي بكلام شبيه بالأول معددة الرجل والبنت الخ .. والغريب أن هناك بعض الحالات كانت تشفى من هذا الفعل ..

لقد اطلعت ذات يوم على بعض كتب الطب الهندي القديمة ، وهم من قسموا طبقات الجلد الى ثلاثة أقسام بعكس ما هو معروف ( البشرة و الأدمة ) .. فقد أضاف أطباء الهند طبقة ثالثة ، هي التي اذا اخترقت هزل الجسم ، وفعل المرض فعله ، وان تحصنت وصمدت صمد الجسم ، لقد قرأت ذلك قبل أكثر من خمس وثلاثين عاما ، ولكنني عندما أرى ما يحدث لإنسان عندما يواجهه صاحبه بملاحظة ، عن لون وجهه أو لون نصفي الدائرتين المحيطتين بعينيه ، فإنه سرعان ما يمرض وتبدأ جولة بحثه في المختبرات وعيادات الأطباء ، عندها أدرك أن الإيحاء له مفعول ضخم على الحالة الصحية ..

فتمتمة العجوز وكلامها الغريب ، ما هو إلا نمط من الإيحاء .. كما أن علاج الثآليل ( جمع ثؤلل ) .. كان بوضع حبة شعير في باذنجانة ورميها في ( مزبلة) فإن نبتت حبة الشعير .. انقطع الثالول وزال .. وقد لمست عدة حالات ، قد زالت عن طريق تلك الوصفة الغريبة .. بمعنى آخر لقد قام الجسم الموحى اليه بتحشيد طاقاته الكامنة و تعاون مع من يقوم بالايحاء للتخلص مما هو فيه .

لقد كان أهل العتيقة الذين تشربوا كل معارفهم الطبية بالمشافهة من جيل لآخر ، والذين كانوا يقدمون على تناول نباتات البراري أو الاحتكاك بها ( على طريقة كلب سجن سالسوري) .. مع تلك الآلام والتعاويذ التي يتلقوها خلال مراحل العلاج من كي و تشطيب للجسم .. تلهيهم عن المرض نفسه .. فكان أقصى ما يطمحون اليه ، هو الابتعاد عن الانقراض .. فقد ثبت عدد سكان العتيقة لمدة سبع وعشرين سنة دون زيادة .. بالرغم من أن أحدا لم يهاجر منها ..

وقد تكون تلك الحكمة ، هي لإحداث التوازن بين كمية الغذاء المتوفر ، وعدد السكان ، فبالرغم من أن مساحة أراضي القرية كانت 18 ألف هكتار ، فكانت بالكاد توفر للمتبقين الغذاء ..

ابن حوران 18-05-2006 03:23 PM

( 11 )

لم تكن في العتيقة طبقات .. بل كاد أن يكون الناس قد تكاثروا بطريقة التكاثر الخضري عند النباتات ، قد تكونوا من عقل ( بضم العين وفتح القاف ) .. غرست في بيئة متشابهة .. فكانت أشكالهم متقاربة رغم أن صبغة ألوانهم تختلف بعض الشيء من واحد لآخر .. فلو صادفت أحدهم بالصين أو بريطانيا ، لعرفت أنه من العتيقة ..

كانت خطوط ملامح شخوصهم تتكون من خلال قسوة ظروفهم ، فتقرأ ما في وجوههم وتردها لمنشأها دون عناء ..قد يكون للغذاء دور ، فاللحم البلدي يعرف أنه كذلك ، لنمط الغذاء الذي يتناوله الخروف البلدي .. فيسهل تمييزه عند من يأكله عن الخروف الروماني أو النيوزلندي ، ويصر من يأكل الخروف البلدي على أنه أفضل من المستورد ، رغم افتقار مراعينا عن مراعي رومانيا او بلغاريا أو غيرها .. ولكن حتى النكهات على ما يبدو ترتبط بالذاكرة ..

أحيانا يلجأ خبراء الإجرام باعتماد حدقة العين لجثة مقتول للتعرف على قاتله ، وقد تكون حدقة الأحياء من البشر تدلل على منشأهم .. فقد تكون مصادفة أفعى في فراش شخص تترك أثرا على شكل حدقته ، وقد تكون دهشة فلاح علق آمالا على حقله إثر موسم أمطار ممتاز ، ولكنه عندما زاره متفقدا قبل الحصاد رأى أن سنابله فارغة ، فبقي مندهشا وتأثرت حدقته بذلك الاندهاش ، وقد يصادف عدة خرافا قد مزقتها الذئاب ، فأضيفت بصمة جديدة على ملامح وجهه ، فأصبحت وجوه أهل العتيقة كأنها شهادات ميلاد يقرأها من عرفهم في وجوههم رغم اختلاف شكل الأنف أو عرض الجبهة أو لون البشرة .. فيقر أن فلانا من أهل العتيقة ..

هناك الكثير من المسائل التي ينظر إليها من لا يعرفها تماما ، على أنها متشابهة ، كنظرنا لأهل الصين مثلا ، أو نظرهم لنا ، وهنا يصبح تضليل وخداع لمن يريد أن يحدد المنطقة ، فيصعب علينا مثلا معرفة أفراد أهل الكمرون عن ساحل العاج ، ولكن يمكن لأهل أي قرية أو حتى عشيرة أن يتعرفوا على بعض من خلال حاسة خفية ، فقد تجد اتصال الحاجبين فوق العينين هو ما يميز أفراد أسرة عن غيرها ، أو تجد التأتأة في بداية الحديث هي ما يرد فردا لمجموعة ، هناك ملايين العوامل التي تجعل الفرد أن يتخذ قراره بسرعة ، كما يفعل حكم مباراة كرة القدم .. أو كما يفعل أفراد طائفة نحل أو نمل ، رغم أن الإنسان العادي لا يستطيع تمييز ذلك وهو أرقى من الحشرات بالطبع !
كما أن المهارات المتكررة لأي مجموعة ، تساعد في صبغها بصبغة خاصة ، فعندما تتكرر واجبات المواطن اليومية ، وتتكرر عند كل المواطنين فإنها تضيف إليهم سمة معينة ، فسكان الجبال غير سكان السهول ، بطبيعة مشيهم وطبيعة حذرهم وانحناء ظهورهم نتيجة التضاريس ، وسرعة استجابتهم للعامل الخارجي ، كل ذلك يعطيهم لونا خاصا بهم ، فلنتصور أن فريقا مكون من أفراد مختلفين قد ذهب للبحث عن الكمأة في الأرض ، إن من يتفوق في سرعة العثور ، هو من تكررت عنده تلك المهارات .. تماما كما يستطيع الرياضيون أن يميزوا أسلوب لعب البرازيليين لكرة القدم ويميزوه عن الأسلوب الأرجنتيني أو الإنجليزي ، رغم أن اللاعب الحالي ، لا يمت وراثيا ل ( بيليه ) أو (زيكو) بأي صلة ..

كان أهل القرى المجاورة ، وحتى المدن ، يستطيعون تمييز أفراد أهل العتيقة بسهولة ، لقد حصرتهم مهاراتهم وطبائع علاقاتهم مع محيطهم واللغة التي يستخدمونها في التعبير عما يقومون به ، بحيث كونت شخصيتهم الجماعية .

كان مأكلهم متشابها ، فهو يعتمد بالدرجة الأولى على الحبوب و منتجات الألبان و وبعض اللحوم والبيض والدجاج ، فيصنعون من القمح كل أصناف الطعام الرئيسية ، خبز وفطائر و طبيخ سميدة وطبيخ برغل و أذان الشائب و كبة وزقاريط و مقطعة وعصيدة ، وكلها منتجات من القمح ، مع إضافات بسيطة جدا بين واحدة و أخرى .. لم تكن الخضراوات معروفة .

كانوا لا يركزون على وجبة الغداء ، بل على العشاء ، فان تناولوا على الغداء بعض اللبن الرائب مع البيض أو دبس فكان هذا يكفي ، أما في المساء فكانوا يطبخون ( جريش البرغل أو السميد ) .. حيث يضعون قدرا من النحاس وبه ماءا ، وملحا و قمحا مجروشا ، قد يكون سلق في مرحلة سابقة وتم تنشيفه ، فصار يسمى ( برغل ) .. أو أنه لم يتم سلقه فيصبح ( سميدا ) .. ويضعونه على فوهة التنور ، ويتركونه مدة ساعة أو أكثر حتى ينضج و يصبح قوامه متماسكا ، فلا يعود يظهر منه ليونة نتيجة لتشرب الماء .. ويصبونه في قصعة واسعة ، وقد يضيفون عليه بعض (القفرة ) .. وهي إما من سمن الغنم أو البقر أو زيت زيتون ، مع قليل من البصل ويصبح اسم (الأكلة ) مختلفا .. أو يضيفون عليه اللبن المطبوخ وحده فتحمل الأكلة اسما جديدا ، أو يضعون فوقه فيما ندر إلا في الولائم والعزائم و قرى الأعراس اللحم , وعندها يصبح الأكل باسم جديد وهكذا ..

كانت كل الناس تأكل نفس الأكل ، ولم يكن هناك من يبيع اللبن أو يبيع السمن ، وكان الناس يرسلون اللبن واللحم والأكل لجيرانهم ، حتى لو عرفوا أنهم قد عملوا شبيها له ، ولم يعتذر من يرسل إليهم أنهم قد طبخوا نفس الطعام بل يقبلوه من جيرانهم ، ولا يعيدوا لهم الماعون فارغا ، فإنهم يعيدونه في اليوم الثاني مليئا ، بصنف طعام ، قد يكون نفسه ..

الفقراء من الناس ، لم يكن سهلا تمييزهم عن غيرهم ، فقد كان الناس يعطوهم قطعة من أرض ليزرعونها ، أو يعطونهم مجموعة من الأغنام ليستفيدون من لبنها ( منوحة ) .. لكن تبقى باسم أصحابها .. وعندما يستخرج الناس زكاة حبوبهم وهي ( العشر ) يعطون هؤلاء الفقراء منها ، ويتم إعطاء الأولوية للنساء الأرامل من الأقارب ، ومن ثم الجار الفقير ..

كان الفقير يأكل نفس أكل الميسور ، وكان يلبس نفس ملابس الميسور ، وكان يسكن في أمكنة مشابهة للتي يسكن فيها الميسور .. لكن تجد أنه إذا كان للميسور ثوبان ، فان الفقير ثوبا واحدا ، عندما يتسخ يغسله ويتوارى ريثما يجف ، وإن بيوت الفقراء تقل درجة في صبة أرضيتها ، أو شكل الباب إن كان محيطا بإطاره بعض الحجارة المنحوتة عند الموسر ، فإنها تكون من طين عند الفقير ، وهكذا تكاد الطبقية مفقودة في العتيقة ..

ابن حوران 26-05-2006 08:36 PM

( 2 )

إذا سجلنا اعترافا لليونانيين بأنهم أول من فكر بعلم ( الفلسفة والمنطق ) ووضع له أسس و تدرج في نموه .. فان علينا تسجيل الاعتراف للعرب بأنهم أول من فكر بعلم اللغة وتقعيدها .. أي وضع أصول القواعد لها ..

عندما انتشر الإسلام بشكل واسع ، واتسعت أركان الدولة الإسلامية ذات الصبغة العربية ، من خلال لغتها التي هي لغة القرآن الكريم .. وعندما أصبح الأفراد غير العرب هم الأكثرية ، وعندما أصبح خبراء الدولة وإنشاء دواوينها هم من غير العرب ، عند كل ذلك برزت مشاعر الخوف من ضياع اللغة و كثرة التلحين ، فظهرت تلك المشاعر عند أناس غير مركزيين ، أي لم تنتدبهم الدولة الى أن ينبروا لتلك المظاهر .. بل بادروا من تلقاء أنفسهم ، وبذلوا الجهد المضني و دفعوا من أموالهم الخاصة ، للتصدي لتلك الظاهرة التي استشعروا خطورتها منذ وقت مبكر ..

فظهر كوكبة من المتصدين لتصويب تلك الظاهرة ، منهم الليث بن نصر بن سيار المتوفى في اواسط القرن الهجري الثاني ، وحماد الراوية ، و الخليل بن أحمد

لقد كان وجه الإعجاز في موضوع تدوين اللغة ، في استخدام العقلية الرياضية في ذلك التدوين ، فاتجه الخليل بن احمد الى افتراض ان هناك ألفاظ في اللغة العربية ، تتكون من حرفين أو ثلاثة حروف أو أربعة أو خمسة حروف ، فعندما استخدم ما يشبه التوافيق و التباديل في الألفاظ ، ظهر لديه هو وفريق العمل الذي معه ، ما يزيد عن اثني عشر مليون لفظا ، فأسقط المستهجن منها ، و تتبع ما يمكن أن يكون لفظا مستعملا .

فعندما يظهر لفظ مثل شغظ أو صثر ، يستبعد مثل تلك الألفاظ و يتتبع ألفاظ معقولة مثل ضرب و خبز و ساجل الخ .. وهي طريقة أشبه باستخدام المنطق الرياضي و إخضاعه للواقع اللغوي .. وإن كان هناك من أخذ على هذا المنهج وعاب عليه ..

لقد أدرك أوائل الرواد بأن لغة و ألفاظ الحواضر ( المدن) والأرياف قد تلوثت بالتلحين لاختلاط أهلها بغير العرب .. فكان توجههم الى البادية ، حيث النقاء وعدم الخلط ، فكان أكثر الناس إقبالا من قبل رواد التدوين ، هم أكثر الناس خشونة و أكثرهم فقرا ، الحفاة الجياع البعيدين عن مظاهر الحضارة ..

لقد اكتشف أهل البدو ، أهمية صفاتهم أثناء فترة التدوين ، فأصبحوا يطلبوا ثمنا بدل بضاعتهم المطلوبة .. فكان قسم من رواد التدوين يرتحل عند البدو ، ليقوم بعمله ، وقسم من أهل البدو يرتحل الى الحواضر ليبيع سلعتهم المطلوبة .

لقد كان كتاب العين أول معجم في اللغة العربية ، أو قد يكون أول معجم في كل اللغات في الأرض .. وبغض النظر عن القصص التي أوردها الكثير ممن يشككون بأن من وضع هذا العمل هو الخليل أو الليث ، فتلك قصة لسنا في صددها *، بل سنحاول تتبع أثر هذا العمل في منهجة طبيعة التفكير ، أو طبيعة إطلاق العقل و تشغيله (كأداة ) ..

لقد أخضع الرواد الأوائل اللغة الى عملية تصنيع ، وبدوافع قومية و دينية قوية ، فلو سلمنا بالرواية التي تقول أن الليث بن ( المظفر) بن نصر بن سيار ، هو من قام بوضع هذه المنهجية ، للمسنا وجاهة القول بهذا النوع من التشكيك ، خصوصا إذا عدنا الى ( النصر بن سيار) والي الأمويين الداهية ، في خراسان ، والذي طالما حذر حكام بني أمية مما استشعره من خطر فارسي على العروبة ، وعلى الحراك الذي كان يحاك في خراسان لقلب نظام الحكم ( العربي) .

قد لا يتفق مع هذه الرؤية ، الكثير من الكتاب الذين لا يروا أن هناك عقلا عربيا ، ولا هناك زمنا ثقافيا ، كما طرح ذلك الدكتور هشام غصيب في كتابه الموسوم ب ( هل هناك عقل عربي؟) .. والذي وضعه لتفنيد ما جاء في سلسلة الدكتور محمد عابد الجابري ..*

إن نهج اللغويين هذا قد أثر في النحاة ( أهل النحو ) فأخذوا يتسابقون معهم صوب الأعراب ( سكان البادية ) .. وقد يتساءل القارئ : ولماذا كل هذا التسابق نحو الأعراب ، إذا كان الهدف منه حماية الدين واللغة ، فلما لم يتم التوجه الى القرآن نفسه ؟

لقد خشي الرواد الأولون من عدم قدرتهم على تحصين القرآن من القرآن نفسه ، لأنه جاء على سبع قراءات ، ولو أنهم توجهوا إليه لدخلوا في تخريجات (تأويل ) .. قد لا يعطيهم التحصين الكافي للقرآن ، فأرادوا الذهاب الى منابع اللغة التي نزل بها القرآن .. فاتجهوا الى المعزولين من العرب (البادية ) حيث لا اختلاط و لا تلحين .. كما اهتموا في ذات الوقت لجمع الشعر الجاهلي ، كمنبع ثابت و تقني من منابع اللغة .

لكن لا بد من تثبيت مسألة هنا ، وهي أن قولبة اللغة بالقالب البدوي ، والابتعاد عن المصادر الحضرية ( قريش مثلا ) وهي تتفوق على البدو في استعمال اللغة ، وبني إياد عرب العراق ، حيث تلتقي لغتهم كثيرا مع لغة أهل قريش .. كل ذلك أثر ولا يزال يؤثر في وسائل التعبير لدى العرب .

ــــــــــــــــ
مراجع :
الكامل في التاريخ ابن الأثير .. ص 1120 وصفحة 1192
العين : صفحة 1 و صفحة 214
هل هناك عقل عربي .. د هشام غصيب المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1993
تكوين العقل العربي .. د محمد عابد الجابري ص 82 ـ85/ مركز دراسات الوحدة العربية / بيروت ط5 1991

ابن حوران 06-06-2006 02:24 PM

( 12 )

أحيانا يتطير أحدنا إذا نظر أحدهم إلى زوجته ، ويزداد تطيرا إذا ضحك لها ، وممكن أن يشهر أحدنا السلاح في وجه من يلمس يد زوجته ، لكن كل هذا التشدد يختفي و يتكيف في غرفة العمليات في مستشفى ، فقد يلمس الطبيب يدها أو حتى مناطق أكثر حرجا من يديها ، فلم يعد شعور الغيرة هو السائد ، بل شعور القلق على صحة تلك الزوجة ..

هذا يدفعنا الى التطلع لمنظومة الثوابت و المتغيرات ، والمحظور والمباح ، فلو صدف أحدنا أحد أبناءه يفتح التلفزيون على قناة يتم فيها تزاوج الحيوانات البرية ، لاستحى الولد وغاب عن ناظري والده ، ولو كانت المتفرجة البنت أو الزوجة ، لوضعت تلك المسألة في قوالب ظنون كثيرة ..

نحن نتكلم في السنة السادسة من القرن الحادي والعشرين ، وقد لمسنا تطور هائل في مشاعرنا وتسامحنا المجبر على تقبل كل ما جرى حولنا من مثاقفة إعلامية ، لا تستأذن في مشاغلة أجهزة حواسنا .. ومع ذلك لا زلنا نستخدم ، نفس المسطرة القديمة التي تقاس عليها ضوابط السلوك وتتأسس على تدريجها أصول القاعدة الخلقية ..

لكن لو عدنا أربعين أو خمسين سنة للوراء ، وحاكمنا المشاهد التي تعني ما تمت الإشارة إليه ، لوجدنا أنفسنا أمام ظواهر تحتاج الوقوف من أجل الفهم ، وإعادة التعبير عما يترتب على ضوء فهمها ..

كانت الصبايا ، تلحق بقطيع أبقار القرية (العجَال) بفتح العين والجيم المشددة ، وذلك لجمع روث ( شطاط) الأبقار ، من أجل استخدامه للوقيد ، ولم تكن تلك المهمة ترفيهية ، بل كانت مهمة وظيفية تناط بتلك الفتيات .. فكانت الفتاة منهن تؤشر على بقرة لتنال ما تبرزه من روث ، ولا يجوز للأخريات التعدي على اختيارها .. فهذا عرف (بضم العين) ابتدعته تلك الفتيات لتمضية وقتهن دون خناق ..

كانت إحداهن تكون قريبة من أعضاء الحيوان (الأنثى) وكيفية إتمام تلك العملية الأيضية ( الحياتية) .. بل قد يصادفهن بالقرب منهن ، حالات من مغازلة كلاب أو حمير أو أي صنف من الحيوانات التي كانت تشارك الناس سكناها و ساحات قريتها ، بل والأكثر ، كان قد يتم ركوب تلك الحيوانات ، ذكورها على إناثها ، أمام إناث البشر ، وقد يكون على مقربتهن مجموعة من الشباب الذين يحتالون بإيجاد سبب يجعلهم قريبين من البنات ..

لم تكن تلك المناظر تسبب حرجا ، فقد كانت تتم أثناء ربط الحمير أمام المطاحن ، وغالبا ما كانت النساء هن من يرتادن المطاحن ، أو قد يكون في ساحة الدار أو في الشوارع ..

وقد كان يأتي للقرية ، ناس معهم فحول من الخيل أو الحمير الضخمة ، يضعون على رؤوسها ريش نعام ويزينوها ، ليلقحوا إناث الخيل ، أمام مرأى الجميع ، ونادرا ما كان يتوقف أحد عند ذلك ، أو يزجر امرأة أو فتاة عن مراقبة ذلك ، وإن كن هن لا يراقبن ولا يحتجن الى زجر ..

لقد كانت تلك العمليات لو أخضعناها لأعيننا هذه الأيام ، لوجدناها أكثر فحشا مما يراقبه أولادنا في التلفزيون أو الإنترنت .. لكن ذلك لم يكن يتعدى المثال الذي ضربناه في غرفة العمليات بأول كلامنا .. فلم يكن له ذلك الأثر الضار ، بل كان طبيعيا مثله مثل التنفس و الشرب و الأكل ..

كان الشباب ، يراقبوا من صبا قلب أحدهم نحوها من الفتيات ، فيسير على مقربة منها ، فإن كانت ذاهبة الى بئر ماء ، تحجج في طلب الماء للشرب ليسمعها كلمة شكر مشفرة ، علها تفك تشفيرها ، بمساعدة من معها من فتيات الحي ، فلم تكن الفتيات يمشين مفردات ، بل جماعات وتحت رؤى الرادار العام للقرية ..

وإن ظهر جزء من رقبة الفتاة ، كان أقرب رجل من الحي مخولا بأن يزجرها أو حتى يضربها ، وكان سيلقى الشكر من ذويها ، حتى لو لم يكن على صلة قربى بها .. فالكل يحرس قانون الحياة .. ومن يتجاوزه من الذكور يصبح (هامل) ومن تتجاوزه من الفتيات أو النساء يقال لها ( هاملة ) ..

لم يكن هناك من يجازف ، ليصنفه الناس ضمن هذا التصنيف ، فان فعل فلا أحد يزوجه من طرفه بنتا ، ولا يتقرب للزواج من البنات التي يخصنه ، والبنت مجازفتها أكثر خطورة .. فلذلك الكل يحرس القيم ، ضمن رؤية تتضح من قراءة المصير ..

يقال أن فيض الطاقة عند الشباب ، هو ما يدفعهم لتصريف هذا الفيض في جوانب قد لا تتفق مع القاعدة الخلقية السائدة ، وهي مسألة تتعلق بالطبيعة أكثر من تعلقها بالانضباط الخلقي أو حتى الديني .. فلذلك قال الشاعر أبو العتاهية :

إن الشباب و الفراغ والجدة .... مفسدة للمرء أي مفسدة

لقد أدرك أهل العتيقة بماضيهم العميق ، أو بفطرتهم ، أو بضغط الحياة أن الفراغ ، سيوفر بعض الفائض من الطاقة التي لا يضمن أحد في أي اتجاه ستصرف ، فكان أكثر ما يؤرقهم هو أن يروا شابا بلا عمل ، فإن ذلك سيشغل خيالهم في اصطناع أسوأ الصور لهذا الشاب .. ويقوموا بسؤال ذويه كل يوم هل عمل فلان ؟

ومن الطبيعي أن تثير حالات البطالة ، تساؤلات أهل القرية ، أما الجدة وهي اليسر في المال ، وهي العنصر الثالث من عناصر انحراف الشباب ، فلم تكن متوفرة في حينه !

رنـا 10-06-2006 12:16 AM

ماشاءالله
أخي الغالي ابن حوران الموضوع رائع
وآخر مشاركتين أكثر من رائعتين،
حفظك الله أخي وبارك فيك
دمت بخير

يتيم الشعر 10-06-2006 09:49 AM

أخي الكريم

اسمح لي أن أضع هذه الخاطرة في موضوعك ..

يحكون عن أسطورةٍ
بـذلـك الـزمـان
عن قرية مهجـورةٍ
قديـمـة الآســان
يحـكـون أنـهـا
بقـديـم عهـدهـا
كانت تعيش في بها
يُظِلُّـهـا الأمــان
كانت قديماً طاهـرة
بالخير كانت عامرة
بالحب فاحت عاطرة
مخضـرَّة الأفنـان
وبينمـا طيـورهـا
تبني بأمـنٍ عُشَّهـا
تشدو جميل نشيدها
بأعـذب الألحـان
في ليلـةٍ مشؤومـةٍ
شـديـدة الـظـلامْ
وأهلها فـي غفلـةٍ
فـي هـدأةٍ نـيـامْ
والليل يستر أنجمَـهْ
برزت ظلالٌ مبهمة
في ضجَّةٍ وهمهمـة
بالشرِّ كانت مفعَمـة
فدمَّـروا بيوتـهـا
فــصُــيِّــرتْ
مـحـطَّــمــة
جدرانهـا مهـدَّمـة
أنوارهـا مهشَّـمـة
كم من فتـاةٍ حـرَّةٍ
عـاشـت بـهــا
مــكــرَّمـــة
صارت لعبدٍ جارية
بيعت له كي تخدمه
هذي حكايـة قريـةٍ
عـاشـت سنيـنـاً
ســالــمـــة
تحـيـا بـخـيـرٍ
لـــم تــكــن
أبداً بيـومٍ معدَمـة
وأهم شـيءٍ أنهـا
كـــانــــت
قــديـــمـاً
مـســلــمــة

ابن حوران 14-06-2006 02:39 PM

( 3 )

لو جلس أحد المثقفين من العصر الحاضر بين جماعة من البدو ، وتكلم معهم بلغته التي يتكلم بها باقي المثقفين ، لرأى عيون البدو تدور شمالا ويمينا مستنكرة ما تسمع ، و متباهية في استنكارها أيضا ، فالعربي بنظر هؤلاء هو من يلتزم بموسيقى اللغة و انسيابيتها ، وفحول الشعر القدماء كانوا يكتسبوا صفة الفحولة ، من التزامهم بتلك الصفتين الموسيقى و الانسيابية في اللغة ..

وعليه عاشت اللغة العربية بقرونها الطويلة ، طالما كان يرمي أبناؤها الحريصون على نقائها ، كل ما يدخل على لغتهم من غريب .. فالجديد بنظرهم (يشم و يرمى في المزابل ) والقديم كلما زاد في قدمه وتعتق كلما زاد أصالة ..

إذا كانت صفة العفوية و الاعتماد على السماع عند البدو ، هي ما جعلتهم يحتفظون بنقاء اللغة العربية . فإن تلك الصفة هي ما أسرت علماء اللغة و النحو الذين وضعوا سياجا حول بدوية اللغة ، بحيث و ضعوا قوالب قوية أشبه بشبك الحماية على السجون أو المتاحف .. فلم يكن من السهل خروج محتويات المتحف ، أو إدخال ممنوعات لمن يسجن داخل السجن ..

إن تلك الأنفة والاعتزاز باللغة ، هي ما دفعت علماء الكلام من المعتزلة النظر باستهجان للمنطق الغربي الذي دخل مع الترجمات ، و أصبح له شيوخ ومنظرين ومبشرين ، والمناظرة المشهورة التي دارت بين كل من ( أبو البشر متي بن يونس ) وكان مشهورا بقدرته على الحديث لساعات ، مبشرا بفلسفة ومنطق أرسطو .. وكان يغمز بجانب فضل الفلسفة والمنطق الغربي على الحضارة العربية الإسلامية .. وبين ( أبو سعيد السيرافي ) .. أحد علماء الكلام المشهورين ، وذلك في مجلس الوزير ( الفضل بن جعفر بن الفرات ) وزير الخليفة العباسي (المقتدر ) .

قد نعود الى تلك المناظرة بشيء من التفصيل ، ولكنها كانت تنم عن رفض ومعاندة أنصار التمسك بالعربية و علومها ، وتبيان تقدمها على المنطق الغربي ، فعندما يسأل ( أبو سعيد السيرافي ) مناظره ( أبو البشر) : هل يجوز أن نقول زيد خير أخوته ؟ .. فيجيب (أبو البشر) : نعم يجوز .. ثم يعود أبو سعيد فيسأله : هل يجوز أن نقول : زيد خير الأخوة ؟ فيجيب (أبو البشر) على الفور : نعم يجوز !

فيبتسم أبو سعيد زاهيا بانتصاره وقائلا : أجبت في الأولى و أخطأت الإجابة ولم تكن مدركا أنك أخطأت .. و أجبت في الثانية و أصبت و لم تكن مدركا بأنك أصبت ..

فيستهجن ( أبو البشر ) كلامه ، ويتساءل : أليس الإجابتان مثل بعض ؟

فيرد أبو سعيد : عندما نسأل هل يجوز أن نقول أن زيدا خير أخوته ، فإن كان أخوة زيد (أحمد و محمد ومحمود) .. فإن زيدا لم يكن بين أخوته .. ولكن عندما نقول زيد خير الأخوة فيكون ( أحمد و محمد ومحمود وزيد ) مشمولين بالمفاضلة .. وهي الأصوب ..

وهنا يشرح ( أبو سعيد السيرافي ) : استصغار فكرة حصر المنطق بالغرب ، فيقول للصينيين منطق و للأفارقة منطق ، وللفرس منطق ، وللعرب منطقهم ، وكل ذلك يتبع اللغة !

في كل عصر يظهر من يكرس اعتزاز أبناء الأمة بخصائص أمتهم ، فبعد المعتزلة ..أفرد أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية ، كتابا أسماه (الرد على المنطقيين ) .. بين فيه ثغرات هائلة في طريقتهم بالتفكير .. و إن كان يعتمد الجانب الديني في المحاكمة ، لكن الكتاب مليء بما يعزز فكرة صعوبة تقبل النمط (العقلي ) المولد خارج رحم الأمة .*

كما أن في العصر الحديث ، يظهر صراع بين الحركات الفكرية و الثقافية ، يطال حتى الشأن السياسي ، يكون منبع هذا الصراع ، هو الاتفاق على خط ابتداء حركة التأسيس لشكل الدولة ، وخلفية ذلك التأسيس المعرفية و ( الفقهية) .. وهذا ما يفسر اختلاف من يعتمدون الدين كأساس للإنطلاقة مع القوميين ، مع اليساريين .. *


وان كان من يؤمن في هذا الطرح و يفلسف له في العصر الحديث ، كالمفكر (الجابري ) والمفكر ( عبد السلام بن عبد العالي ) وكلاهما مغربيان ، فإن هناك من يستهجن مثل هذا الطرح ، محتكما لمعالجة المفكر المجري ( جورج لوكاش) عندما يناقش فلسفة الغرب الحديث ، و يرفض ربطها بالفلسفة اليونانية القديمة ، بل جعلها تنبع من خصوصية البنية الأساسية للوعي الاجتماعي السائد في الرأسمالية الأوروبية * .. وهو كلام يحمل وجاهته .. إذا ما حيدنا أثر اللغة تحييدا كاملا ..

ـــــــــ
المراجع :
الرد على المنطقيين / احمد بن تيمية / دار المعرفة / بيروت
هجرة النص الفلسفي / مقالة ل ( عبد السلام بن عبد العالي )
هل هناك عقل عربي ؟/ د هشام غصيب ص 92
تكوين العقل العربي/ د محمد عابد الجابري / مركز دراسات الوحدة العربية

ابن حوران 22-06-2006 02:13 PM

الأخت الفاضلة أوركيدا .. أشكر لك المرور الكريم والكلمات الطيبة

الأخ الحبيب يتيم الشعر .. بارك الله بك لما أضفت من كلام رائع

ابن حوران 22-06-2006 02:16 PM

( 13 )

للزواج أهداف منها سننية ( تتبع لسنة الحياة ) ومنها وظيفية تشبع حاجات فسيولوجية من جانب ، وترفد من يعملون لإتمام الزواج بحاجات يعرفونها معرفة جيدة ..

في الجانب السنني ، يلهم الله عز وجل كل الكائنات الحية إلهاما يدفعها للقيام بالتكاثر ، فتجد عند كل الكائنات الحية من مستوى كائن حي مكون من خلية واحدة ، كالأميبا أو أي بكتيريا أو فطر ، الى أكبر حيوان يتحرك حركة ديناميكية ، أو حتى ستاتيكية .

فقد لاحظت كمختص أن شتلة من أشتال الحمضيات (كالمنتينا ) كانت بعمر أقل من سنتين ، قد تغطت بأزهار الإثمار تغطية كاملة ، وطبعا نعرف كمختصين أن تلك الظاهرة ، تنبئ بوجود مرض ، وعندما توقفت فاحصا ما يجعلها تطلق هذا الكم الهائل من الأزهار .. وجدت السبب .. أما لماذا قامت تلك الشتلة بعمرها المبكر بإطلاق هذا الكم الهائل .. فإن الشتلة تعتبر نفسها مسئولة عن تواصل جنسها ، فعندما أحست بالضعف ، استعجلت لإطلاق هذا الكم من الأزهار لتخلف من يخلفها في الحفاظ على جنسها ..

عند البشر ، يسلك الإنسان مثل سلوك شتلة الكالمنتينا ، فإذا لم يرزق بمولود فإنه يبذل قصارى جهده ، في معالجة الأسباب ، ويبقى نشاطه في البحث عن علاج يحل مشكلته قائما حتى يموت .. وهو يعلم أن له أخوانا أو أقارب أو غيره من البشر ، يقوم بمهمة الحفاظ على الجنس البشري !

في العتيقة كغيرها من قرى الريف ، يتغلب الجانب الوظيفي على الجانب السنني ، رغم الاحتفاظ بأهمية الجانب السنني ، فالزواج يعني مشروع رفد الأسرة بأعضاء جدد يقومون بأعمال الزراعة ، فإضافة مولود جديد ، يعني إضافة فلاح جديد ، يبذر ويزرع و يحصد و يقوم بالأعمال الأخرى .. ويعوض من ينتهوا من جراء أوبئة كالكوليرا أو الطاعون أو الحصبة أو غيرها ..

وقد تكون تلك العوامل الغائبة لدى الغرب ، هي ما تدفعهم لعدم الارتباط بالزواج و عدم الإنجاب ، لغياب مثل تلك المحفزات أو الأسباب ، التي يبدو أنها التصقت ك ( أليلات وراثية ) على كروموسومات أبناء شعبنا .. حتى بعد زوال عوامل الفلاحة ..

كان على الوالد عندما ينوي تزويج ولده ، أن يؤمن له (غرفة) يسكن فيها مع عروسه ، ويتدبر موضوع المهر و اللوازم الأخرى .. لكن اللوازم الأخرى لم تكن بنفس أهمية المهر ، الذي كان يتم بالمقايضة ، فيكون ( ربع ربعة دوارة ) وهي مساحة من الأرض تساوي حوالي عشرون هكتار ، و أعرف نساء تقدر قيمة مهر إحداهن ، الآن أكثر من 25 مليون دولار .. على الأسعار الحالية .. وإحداهن بعين واحدة ..


ومن لم يجد مهرا كافيا ، فيستبدل شقيقته بعروس ، وفي بعض الحالات تستبدل الابنة بعروس ! لقد كانت كثير من الزيجات تتم على طريقة سندات القيد فينزل من حساب فلان ، الى حساب فلان .. حتى تتساوى القيمتان ..

لا أذكر أكثر من حالتين ( خطف ) .. حيث سمعت أن فلانا خطف فلانة ، وكانت طريقة الخطف ، تتم عندما تنسد الأبواب في وجوه عشيقين ، ولم يستطع العريس تلبية طلبات والد العروس ، ولكن كل من العريس و العروس متمسك بالآخر ، فيهرب بها الى منطقة بعيدة ، ويدخل في حمى شيخ عشيرة ، فيعقد قرانه على فتاته ، ويتم الزواج ، ولكنني لم أسمع بأنهما عادا الى القرية ..


كنت أقلب صفحات (مفكرات ) والدي رحمه الله ، فعندما يدون حالة خطوبة ، يكتب ذبح دار فلان على فلانة ، وهي إشارة واضحة لعقد القران ، إذ كان الوفد(الجاهة) الذي يذهب لخطبة فتاة ، يأخذوا معهم كبشا أو تيسا ، ولوازمه و يذبحونه ، لعمل طعام بالمناسبة ..

من الطبيعي أن المفاوضات قد سبقت عملية اللحظات (الكرنفالية ) الذبح ، وقد تأخذ المفاوضات مدة تطول أو تقصر ، وقد تكون للنساء ( النسوان) الدور الأكبر في عمليات المفاوضات .. و أما المراسيم ( الكرنفالية ) ، ما هي إلا ملامح لنفاق اجتماعي ( محبب) .. و أظن أن لا تغيير كبير في ذلك قد حصل في الوقت الراهن ..

فعند دخول الجاهة ، يصب فنجان من القهوة ، و يشير أعضاء الجاهة (الوفد) الى رجل مرموق قد اختاروه قبل مجيئهم ، وهو من سيمثل أهل العريس ، وعندما تكون (الجاهة ) ، قد أغفلت اختيار من يتكلم باسمها ، فان من يصب القهوة ، سينتبه الى ذلك التقصير ، فيضع فنجان القهوة في وسط المجلس ، ويقول : ( شومتكم بينتاكم ) .. أي أن على الجاهة أن تقوم بتكريم من تريد من أعضائها .. فيقدم أعضاء الجاهة أحدهم ، فيعتذر ويكرم آخرا بها ، حتى يستقر الاختيار على واحد ..

فيقوم من تم تكريمه ، بقول كلام مكرر ، كان بإمكان أي واحد أن يقوله ، فهو لا يحتاج الى مذاكرة و حفظ ، وليس هو بالكلام المعقد والخطير ، بل كلام يشير الى الرغبة في طلب القرب من أهل العروس ، ويضيف بعض الصفات التي تدلل على نبل و ندرة و أهمية أهل العروس ، وهي صفات لا أظن أنها قد قيلت لهؤلاء فقط ، ولا أظن أن أهل العروس سيرهنون موافقتهم على ضوء صياغة هذا الكلام .. بل هي نمرة في برنامج .. وعندما ينهي المتكلم ، قوله بأن قهوتكم لا تبرد ، يوافق والد العروس على طلب الجاهة وتنطلق الزغاريد ..

في كثير من الأحيان ، بل في كلها ، كان يتم كتابة عقد القران ، في نفس الجلسة ، ويبقي الوفد ( الجاهة ) .. حتى يتناولوا الطعام وهو غالبا ما كان يتم مساء .. أي طعام عشاء ..

ابن حوران 02-07-2006 04:54 PM

مساحة الفقه الإسلامي في العقل العربي :

( 1 )

لم يستطع علماء الغرب أن يربطوا نمو تطور الفقه عند المسلمين ( والعرب منهم بالذات ) في علوم الغرب القديمة .. وإن حاولوا الاجتهاد في ذلك مرارا ، فيقول المستشرق (هملتن جيب ) : ( لقد استغرق العمل الفقهي خلال القرون الثلاثة الأولى (للهجرة ) الطاقات الفكرية لدى الأمة الإسلامية الى حد كبير لا نظير له ، إذ لم يكن المسهمون في هذا الميدان هم علماء الكلام والمحدثون والإداريون فحسب ، بل أن علماء اللغة و المؤرخين و الأدباء أسهموا في نصيب في هذه المجموعة من المؤلفات التشريعية و مناقشة القضايا التشريعية ، وقلما تغلغل الشرع في حياة أمة وفي فكرها هذا التغلغل العميق مثلما فعل في الأدوار الأولى من المدنية الإسلامية )* 1

لقد انتشرت الجهود الفقهية و نمت ، وكثرت المؤلفات فيها ، ويكاد لا يخلو بيت من مؤلفات فقهية ، حتى في العصر الحديث . ويكاد لا يخلو خطاب سياسي من الإشارة ، ولو بطرف خفي الى الفقه الإسلامي ، حتى ولو كان موقف الخطاب ، محسوبا على الخط الرافض لزج الدين في السياسة ، فكان الفقه ولا يزال يؤثر تأثيرا عظيما في كينونة المؤيدين للحكم الإسلامي و المعارضين له .

ولم يقتصر تأثير الفقه الإسلامي على العرب وحدهم ، بل على شعوب الأقطار التي دخلت في الإسلام .. والملاحظ أن تاريخ البلاد الداخلة في الإسلام ، والذي سبق دخولها فيه ، لم يؤثر أي تأثير ملحوظ في النشاط الفقهي لتلك الشعوب ، فقد كانت القاعدة القائلة : ( الإسلام يجب ما قبله ) .. هي خط البداية الجديد لتلك الشعوب في اشتراكها بالنشاط الفقهي ..


و قد يلاحظ المتتبع لتطور النشاط الفقهي ، بأن الفقه في عهد الرسول الكريم صلوات الله عليه وحتى نهاية العهد الأموي ، كانت صبغته عملية ، وليست نظرية .. فكان الناس يتساءلون عن حكم بعض القضايا ، بعد وقوعها ، ليحتكموا عند الشرع فيها و ينظروا ما يقول ..

لكن بعد انتهاء العصر الأموي ، أصبح الفقه يأخذ منحى أشبه ما يكون بالنشاط الرياضي الذهني ، فكان يفترض افتراضات و يضع حلولا لتلك الافتراضات و يحدث أن تبرز معارضات للحلول الموضوعة لتلك الفرضيات ، التي لم تحدث أصلا ..وهذا يدلل على نشاط أقرب ما يكون ل ( الفلسفي) منه الى غير ذلك .. وقد ترك هذا النمط من النشاط الذهني أثره على البحوث الإسلامية وعلى نشاط العقل العربي ، من زاوية إكتناه مواطن الصحة من الخطأ فيه .. وهو ما يطلق عليه في العصر الحديث بالنشاط (الإيبستمولوجي ) .

ولم يوظف الفقه ، علم الكلام واللغة و الشريعة فحسب ، بل ذهب أبعد من ذلك ، الى علم الحساب الذي كانت المعرفة فيه ستتمم القدرة على تنفيذ مطابقات قسمة الإرث وغيرها من استخراج الزكاة الخ ..

وإن كان علم الجبر العربي مدين لجهة في تطوره ، فالجهة ستكون ودون شك علم الفقه .. ولا عجب فقد كان الخوارزمي أبو الجبر والذي عاش قسما من حياته في عصر المأمون أحد العاملين بالفقه ، قبل أن يصل الى روائعه في اللوغاريتمات و الجبر !* 2

المراجع :
ــــ
1ـ هملتون جيب : دراسات في حضارة الإسلام ص 263 .. ترجمة احسان عباس / دار العلم للملايين 1964
2 ـ كتاب الجبر والمقابلة / تحقيق علي مصطفى /دار الكتاب /القاهرة 1968

ابن حوران 11-07-2006 11:51 AM

( 14 )

في كثير من الأحيان ، يكون الفرح مؤلما ، كما هو الحزن مؤلم ، فمن يريد أن يفرح بزواج ابنه أو ابنته ، لو أحصينا لحظات الأسى لوجدناها تفوق لحظات السرور بدرجات كثيرة ، فمن التفكير بالمهر و التفكير بتذليل صعوبات أهل العروس ، للتفكير في مكان سكن العريس للتفكير في أثاث العرس ، و مأدبة الغداء ، و كلف الاحتفالات ، كلها مكابدة و آلام ..

يتواصى أهل العرس ، بالصمود فكلها عدة أيام وينتهي هذا العرس ، وكأنهم في نكبة أو حرب ، ويتواصى من سيقف معهم في أفراحهم ، بضرورة الذهاب للعرس ، حتى لو فيها تكليف و ثقل ، فأهل العرس متثاقلون و زوارهم متثاقلون ومع ذلك يصر الناس على إقامة الأعراس بأشكال لم تختلف كثيرا عن الماضي . لكن لو حاولنا تفسير ذلك ، فتزويج الابن هو من مسؤولية الأسرة ، فيقدم الناس على القيام بمسئولياتهم بخفة ، وتقاليد العرس هي من الواجبات ، فيتثاقل الناس من القيام بواجباتهم ..

ما أن تقترب أيام الزفاف ، فإن الاستعدادات بالعتيقة لتلك المناسبة تتزايد ، بطريقة محمومة ، فهناك من يشد (فرشات ) الصوف ، و الألحفة و الوسائد وهناك من يهتم بتنقية (البرغل ) .. وهناك من يحتاط على لوازم (الطبخ) من حطب و ذبائح و بصل و بهارات وغيرها ، و هناك من يذهب الى الأسواق لتكملة شراء أثاث العروس و ملابسها ، و هناك من يدهن (أوظة ) أو (غرفة) العريس .. ورشات مختلفة ، تؤدي كل ورشة عملها ، وتتكون تلك الورش من أهل البيت و الأقارب و الجيران ..

كانت ( التعاليل ) وهي سهرات الاحتفال بالزفاف تستمر عشرة أيام ، ثم تقلصت الى أسبوع ثم أصبحت أربعة أيام .. قبل وصول الكهرباء للعتيقة ..

كان الفتيان يقومون بتنقية الحصى و الحجارة من ساحة الاحتفال الليلية ، ويمهدونها بشكل جيد فيردمون الحفر الصغيرة ، ويزيلون النتوءات من الأرض ، حتى لا يلتوي كاحل بعض الراقصين في ( الدبكات ) .. ثم قبيل وصول المحتفلين ، ترش الأرضيات بقليل من الماء لمنع إثارة الغبرة ، وتنصب (سيبة) يعلق عليها (لوكس نفطي قوي) .. وتوقد في زاوية بعض النار لتسخين الطبلة التي تحدد إيقاع الرقص ، كلما تراخى إيقاعها ..

ثم تفتتح حلقة أو اثنتان من كبار السن ، في دور يقال له ( جوفية) .. ولا أظنها تحريفا ل (الجوبية ) العراقية .. بل لأن الكلام الذي يقال بها ، أصله من الجوف ـ الحجاز . فيقول أحدهم كلاما يردده الصف المقابل عشرة أو عشرين مرة دون ملل ، ويتحركون ببطء شديد .. و كأنهم في امتحان للمذاكرة في إعادة هذا اللون ، أو قد يكون هذا النمط من افتتاح الاحتفال هو إعلان لبدء السهرة ، حيث كانت أصواتهم تخترق كل أرجاء القرية ، يساعدهم في ذلك عدم وجود ضجيج .. فيتجمع الناس و المحتفلون ويتزايدون ..

ثم تنبري مجموعة من الشباب ، فيقومون بالدبكة ، وهي ذات إيقاع أسرع و أكثر حركة ، من اللون الأول ، وكانوا يلبسون ثيابا بيضاء مصبوغة بلون (نيلي) ، ويضعون في جيوبهم بعض القطع النقدية ، لتعطي رنات تضفي طابعا كانوا يفرحون به ، وإن لم يجدوا نقودا ، كانوا يلجئون لحيلة ، يكسرون قطعا من زجاج و يضعونها في جيوب ثيابهم ، فما أن يتقافزوا حتى ترتطم ببعض ، وتصدر صوتها المرغوب .

وهناك من على مقربة منهم ، تنبري امرأة ، غالبا ما تكون أم العريس أو خالته أو عمته ، فتقول كلاما بصوت عالي ، منظم تعلن عن فرحتها ، ذاكرة صبر الأم للحظوة برؤية ابنها و هو عريس ( تهاهي) .. وما أن تنتهي من نظمها البدائي لقولها .. فتنطلق الزغاريد من النسوة التي كانت بالأصل متهيئات لمثل هذا الدور .. وأحيانا تنطلق بعض العيارات النارية ، استكمالا لتصاعد إيقاع المشهد الاحتفالي ..

وبعد أن تخيم النشوة بالاحتفال ، و تغطي أجواء الاحتفال الحميمة على الساحة ، وبعد أن يتعب الشباب ، تنزل الفتيات في دور خاص بهن ، وهو دور لا يخلو من شد وانتباه لذويهن ، بأن يبقى في إطار الاحتشام ، وغالبا ما ينتقي الشباب أو حتى النساء زوجات المستقبل من مرونة حركة تلك الفتيات ..

يستمر هذا النوع من السهرات الى آخر ليلة ، والتي تسمى (ليلة الحنة) أو ليلة (القرى ) .. حيث ينفرد قسم من ذوي العريس في التحضير لطعام الغداء في اليوم التالي ، والذي يتكون من اللحم و البرغل و ( الكبة ) وكانت تسمى (كبة حيلة) .. حيث لا يكون بداخلها إلا (قمحا مجروشا مع البصل وقليل من الزيت) وعلى ما يبدو ( هنا جانب الاحتيال) .. فكانوا يصنعون منها كميات هائلة ، يزيد القمح المستخدم بها عن نصف طن .. حيث لا بد من إعطاء كل من يحضر (عونة) .. أن يأخذ من هذه الكبة لبيته ..

يباشر الناس بإرسال (عوناتهم ) وهي تتفاوت بين 20 كغم من القمح الى الخروف .. كمعاونة لأصحاب العرس .. فيضعون لهم قسم من الكبة حوالي (30 كبة) لكل من يحضر ( عونة) .. ويكون ذلك قبل صلاة الجمعة .. وبعد الصلاة ، يكون العريس ، قد اختار أحد البيوت للجيران أو الأقارب ، فبعد أن يقوم الشباب بإدخاله للحمام ، وتوظيبه ، وتقديم نصائحهم اللازمة ، يزفونه الى البيت المخصص من الجيران أو الأقارب .. ويؤخذ لمن زفه غداء الى ذلك البيت ، في حين يتناول الزوار طعام الغداء في بيت أبيه ..

في المساء و بعد أن تحضر العروس على فرس ، مغطاة بعباءة والدها ، يكون العريس لا زال في البيت الذي تناول فيه طعام الغداء ، فيحضر إلى من معه طعام العشاء ، ويقوم كل من تعشى بتنقيط العريس ، قدرا من المال ، وكل ذلك يسجل في دفتر ، و يعلن أمام الجميع ، حيث أن من يدور على ( المنقطين ) يصيح بأعلى صوته ( خلف الله عليك يا فلان ابن فلان أنت و أقاربك جميع .. محبة للنبي الشفيع ) ويقول الرقم الذي دفعه هذا ( الفلان ) .. وهكذا .. حتى يزف في النهاية العريس الى عروسه ..

وتبقى الأسر القريبة و الجيران يخصون العروسين بطعام خاص ، يسمى بأول يوم ( الصبحة ) .. وفي ثالث يوم ، يأتي أهل العروس و أعمامها و أخوالها لتنقيطها ، وطبعا هذا كان يدفعه أهل العريس مسبقا ، تحت مسمى ( عباءة العم ) و ( عباءة الخال ) ..

ابن حوران 24-07-2006 02:26 PM

مساحة الفقه الإسلامي في العقل العربي :

( 2 )


لقد حاول الجهد البشري منذ العصور القديمة ، أن يضع قوانين خاصة بسير الحياة و تفسيرها ، فكانت شرائع حمورابي ، كما كانت الألواح الإثني عشر عند اليونان ، كما كان للرومان وأهل الهند و الصين قوانينهم القديمة ..

عندما انتشر الفقه عند العرب ، كنشاط مقابل للفلسفة عند اليونانيين ، وكانوا كما أسلفنا يطلقون عليه ( العلم ) وعلى من يمارسه من الفقهاء ( العلماء ) ، ظهر في القرن الهجري الثاني ، مدارس فقهية ، كان همها التشريع للمجتمع ، في حين ظهر نوع متقدم من تلك العلوم وهو أصول الفقه ، كانت مهمته التشريع للعقل ..

( إن القواعد التي وضعها الشافعي لا تقل أهمية بالنسبة لتكوين العقل العربي الإسلامي عن ( قواعد المنهج ) التي وضعها ديكارت بالنسبة لتكوين الفكر الفرنسي خاصة والعقلانية الأوروبية الحديثة عامة ) * 1

لقد ظهر تياران عند بداية تشكل الفكر العربي الإسلامي ، تيار يتمسك بالموروث الإسلامي و يدعو الى اعتماده ( أصلا) وحيدا للحكم على الأشياء ، وتيار يتمسك بالرأي ويعتبره الأصل الذي يجب اعتماده ، سواء في الحكم على ما جد من الشؤون أو في فهم الموروث الإسلامي نفسه .

وعندما لم يكن هناك من يتجرأ على التكذيب بأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، والتي تأتي قوتها في الفقه بعد كتاب الله عز وجل .. ولما كان جمع الحديث و تمحيصه و تصنيفه ، لم ينته بعد . كان لا بد أن تظهر نزعات في وضع قوانين خاصة لضبط شكل الفتاوى و ما ينتج عن الفقهاء من جهد .

لقد ظهر جدل عميق بين أهل النحو وأهل الكلام وتداخل مع النشاط الفقهي ، ففي حين تصدى أئمة المعتزلة ، وبعد تصفية الزنادقة ، الى النشاط الذي تسرب من خارج الدائرة العربية ، وبالذات أولئك الذي أتى من ( المانوية ) .. وقد تعدى نشاطهم هذا الجهات الخارجية ، ليتعقب ذلك النشاط داخل الدائرة الإسلامية العربية .. وهذا ما دفع ( أبو الحسن الأشعري ) للتأسيس لعلم الكلام ( والذي يقابل علم المنطق الغربي ) .. كما ظهر في علم النحو الذي كان يوظف في (التأويل ) ولم يكن بعيدا عن النشاط الديني بأي حال .. فكان الخليل بن أحمد وتلميذه ( سيبويه ) ..


كان الشافعي(150ـ 204 هـ) صاحب كتاب (الرسالة) معاصرا للخليل ابن احمد ، وتلميذه سيبويه ، وكان الخليل مؤسس علم ( العروض) و سيبويه مؤسس قواعد علم النحو وصاحب المؤلف الشهير ( الكتاب ) ولما كان الخليل قد وضع قوانين لضبط الشعر ، وسيبويه يضع قوانين لضبط النحو .. وطبعا إن الشافعي الطالب للعلم و الأستاذ المفكر الذي نظم الشعر و تفقه في اللغة و أصولها ، وتجول على كبار الشيوخ في كل منحى ، كان لا بد له أن يفكر بوضع قوانين للفقه ، وان كان يؤسس لنظام ( البيان ) نفسه .. فكان يتساءل : كيف البيان ؟ ويجيب :

( البيان اسم جامع لمعاني مجتمعة الأصول ، متشعبة الفروع . فأقل ما في تلك المعاني المجتمعة المتشعبة : أنها بيان لمن خوطب بها ممن نزل القرآن بلسانه ، متقاربة الاستواء عنده ، وإن كان بعضها أشد تأكيد بيان من بعض ، ومختلفة عند من يجهل لسان العرب ) * 2

وهنا يحصر الشافعي مسألة البيان في خمسة وجوه :

الأول : ما أبانه الله لخلقه نصا بحيث لا يحتاج الى تأويل أو توضيح لأنه واضح بذاته ..ثانيا : ما أبانه الله لخلقه نصا ولكنه احتاج لنوع من التوضيح . ثالثا: ما أحكم الله فرضه في كتابه وبين كيف هو على لسان نبيه . رابعا : ما سكت عنه القرآن ولكن الرسول صلوات الله عليه أبانه فصار في قوة الوجوه السابقة . وأخيرا ما فرض الله على خلقه الاجتهاد في طلبه . يقول الشافعي ( ليس لأحد أبدا أن يقول في شيء حل أو حرم إلا من جهة العلم . وجهة العلم : الخبر في الكتاب والسنة ، أو الإجماع أو القياس ) * 3

لقد كان الشافعي المشرع الأكبر للعقل العربي ، وقد كان الرأي قبله ، خصوصا عند أبي حنيفة ، حرا طليقا ، فقيده الشافعي واشترط عليه المعرفة بأخبار السلف و أصول اللغة .. وطبعا هذا الجانب الآخر من فكرة البيان ( الفقه واللغة)

يروى أن رجلا سأل أبا حنيفة عن شيء فأجابه فيه ، فقال الرجل معترضا : أنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كذا .. فقال أبو حنيفة : دعنا من هذا .. وروي عنه أن أحدهم ذكر أمامه أن ( البيِعان بالخيار ما لم يفترقا) أي أن البائع و الشاري يمكنهما التراجع عن صفقتهما طالما بقيا في نفس المكان . فقال أبو حنيفة محتجا : ( أرأيت ان كانا في سفينة ؟ أرأيت إن كانا في سجن ؟ أرأيت إن كانا في سفر ) .. وهي دلالة على عدم رضاءه عن تلك القاعدة بشكل مطلق ..بل لكل حادثة بيع ظرفها ..وهناك حادثة الذي حلف أن يطأ امرأته في رمضان وفي النهار .. كيف أفتاه أبو حنيفة بوجوب سفره الذي يحلل له الإفطار ثم عدم منع وطأ زوجته * 4

يتبع
ــــ
المراجع :
1 ـ دراسات في تاريخ الفكر العربي /د خليل السامرائي جامعة الموصل ص 159 / 1986
2 ـ تكوين العقل العربي / د محمد عابد الجابري / مركز دراسات الوحدة العربية /بيروت ط5 1991/ ص 103
3ـ الجابري / المصدر السابق 105
4ـ الجابري / المصدر السابق ص 106

محمد الحبشي 26-07-2006 01:21 PM

دراسة أكثر من رائعة ... تستحق الإعجاب والمتابعة الشديدين ....

أخشى أن أفسد أو أقطع تسلسل الموضوع بمشاركتى هذه ......

ابن حوران 28-07-2006 02:22 PM

(15)

لو جلس أربعة مقامرين ، كل واحد يملك مائة دينار ، فإن كل حالات اللعب لن تجعل مجموع ما معهم أكثر من أربعمائة دينار ، فقد يكسبها الأول أو الثاني أو أي واحد ، لكنها لن تزيد . تلك الحالة نجدها في أي نوع من الصداقات فإن كان كل الأصدقاء ، يتصفوا بقلة إمكانياتهم الثقافية ، فلن تتطور مهارات وممتلكات أي واحد منهم من المعلومات الثقافية ..

في العتيقة ، لم يكن للنقد قيمة ، بل كان للعرق ( الجهد ) قيمة ، ولا زلت أذكر أن الليرة الذهبية ( العصملية ) كانت تقل بقيمتها عن الدينار المحلي ، لا تستغربوا ، فاقتناء الذهب ، دائما يأتي على هامش فائض المدخرات ، فكانت كل البلاد تعاني من ذلك .. فلا قيمة للذهب ، أو له قيمة ولكن لا أحد يدرجه مع أولوياته ..

كان أكثر من خمس و تسعين بالمائة من أهل العتيقة يعملون بالفلاحة ، وكان همهم كما ذكرنا يقتصر على تلبية الحاجات الأساسية من سكن وقوت ولبس و الحفاظ على أنفسهم من الانقراض . لم يكن الادخار يشغل بالهم ، وكذلك النقد أو ما يدل عليه . فكانوا يتبادلون بالمبادلة بقرة بنصف طن ( قنطارين ) من الحنطة ، عروس بقطعة أرض ، قليل من الحلو الذي يحن إليه الأطفال بدل بيضة دجاج ، وهكذا ..

لم يكن في البلدة الكثير من الحرف و المهن ، كان بها مجموعة من الدكاكين ، ومحل لصناعة (الفروات ) ، ومحل للبيطار لتبديل حذوات الخيل ، أو علاجها ، ومحل لصناعة ( الجلالات ) أي ما يوضع على ظهر البهائم ، ومحل لصناعة (الهريط ) وهو عمل كانت تطبخ به عظام (الجمال ) ليستخرج منها محلول غروي يشبه ( الجلي ) .. يفطر عليه بعض الناس .. ومحل لتصليح (البوابير) كان صاحبه يسمى ب (السمكري ) لتصليح مشاعل الطبخ و الفوانيس و غيرها ، ومحل لخياطة ملابس الرجال ، ولم يكن يحتاج لفنون كثيرة ، فهي ملابس أشبه بالأسطوانات ، مع بعض الإضافات البسيطة ..

أما الدكاكين فكانت في البداية لتجار قدموا من ( الشام ) أو ( القدس ) ، ثم تركوا القرية لعدم ملائمتها لطموحاتهم . ثم أصبحت ملكيتها لأبناء العتيقة ، كان فصالها و شكل ديكورها الداخلي موحدا ، فكان لها مصطبة خارج بابها ، بارتفاع نصف متر ، يجلس عليها الرجال في أوقات فراغهم وما أكثرها ، يتحادثون ويشهدون على عمليات المبايعة القليلة . ويلعبون (المنقلة ) وهي قطعة خشب جوز سميكة محفور بها عدة حفر ، توضع الحصى في كل حفرة وفق نظام يعرفوه ، أو يلعبون ( القطار ) أو ( الياس وديس ) وهي لعبة يرسمونها على سطح بثلاث مربعات داخل بعضها البعض ، ثم يوصلون خطوطا تخترق أواسط الأضلاع ، فيضعون تسع قطع من الحصى لكل لاعب تختلف ألوانها من لاعب لآخر ، ويحركون الحصى بالتناوب حتى يكسب أحدهما .

أما داخل الدكان ، فكنت تصادف مصطبة أخرى عند الباب ، يتمدد عليها البائع لندرة المشترين ، ويفصل المصطبة عن جسم الدكان ( مد ) خشبي يوضع فوقه الميزان ، ومن خارج هذا المد تجد (شوالات ) غير ممتلئة بها من أصناف الحبوب ، وهي عادة تزيد في محتوياتها ، ولا تقل ، لأن ما بداخلها كان نتيجة دفع الزبائن أثمانا لما اشتروه .. وعندما تمتلئ تلك العبوات يأخذها صاحب الدكان الى مخزن أو يبيعها لتجار الحبوب ..

أما البضائع التي كانت تكون باستمرار في الدكاكين ، فكانت السكر والشاي والصابون و بعض أدوات المطابخ كالمنخل و السكين و ملاقط الغسيل وليف الحمَام ، وحجار النيلة وأبر الخياطة ، والملح والفلفل و القهوة والهال و أنواع من الحلويات التي انقرضت ك ( القوم والقنبز والكعكبان و الراحة والفيصلية ) ، وكانت توضع في ( مرتبانات لها أغطية تصف على الرفوف ..وأحيانا تجد بعض الفواكه كالعنب والتين الخ ..

إن أجواء كهذه كانت تجمع الذباب ، فكنت تلاحظ شريطا لاصقا يتدلى من أعلى الدكان لارتفاع أعلى من الرأس بقليل ، وقد التصق به الذباب حتى أصبح لونه أسودا أو لونا (ذبابيا ) ..

هناك نوع غريب من علاقات البيع والشراء كنت لا أفهمه كثيرا ، حيث كان يتجول في البلدة ، أناس غرباء ، يركب أحدهم حصانا أو حمارا ، ويبيعون الزيت و الأقمشة أو يصيحون ( مبيض .. مبيض ) وكان من يصيح يهتم بمعالجة أواني الطبخ النحاسية التي مر عليها وقت دون تبييض . كما كان أحدهم يصيح ( رشادي .. غوازي ) .. وكان يبيع الصيغة ( أي الحلي الذهبية والفضية ) .

الأمر الذي كنت أستغربه ، هو أن من يبيع الصيغة ، كيف كان يأتمن على ماله وحليه في الطريق من قطاع الطرق ، فاكتشفت في وقت متأخر ، أنه كان يودع حصانه عند أحد أهالي العتيقة ويأتي بالباص ، مقابل شيء يتفق عليه .

كما كان هناك قسم من الغجر يأتون في مواسم الحصاد ، ويبيعون أدوات يحتاجها الفلاحون في أعمالهم كالغرابيل و الكرابيل و المقاطف و المذاري والشواعيب ، وغيرها من تلك السلع ..

وقد رأيتهم كيف يصنعون الغرابيل (جمع غربال ) والكرابيل ( جمع كربال ) وغيرها .. فبعد أن يعالجوا الخشب بالماء والحرارة ويجعلون منه دائرة . يكونوا قد قاموا باستغلال أي جلد حيوان يلقوه ، سواء كان ميتا أو مذبوحا ، فيدبغوه ، ويجففوه تحت الشمس مثبتينه بأعواد ترتفع قليلا عن الأرض ، ثم يقددون الجلد ليعملوا منه خيطانا جلدية يدخلوها في ثقوب (الطارة ) الخشبية ويشدونها فتصبح جاهزة .. وكانوا يفهموا بالقياسات ، فتلك للقمح وتلك للشعير وتلك للحمص الخ ..

لم يكن أحد يفكر بتطوير عمله ، فالتقنيات محدودة ، والعادات المهنية قد تكون ممتدة الى آلاف السنين السابقة ، فقد يكون الشكل الذي رأيناه في منتصف القرن العشرين يشابه لحد كبير ما كان سائدا في العصر العباسي ، وقد يكون صدر الدولة العباسي يتفوق على ما شاهدناه في منتصف القرن العشرين في العتيقة .. حيث لم تكن علاقات الإنتاج التي كانت بوادرها قد تكونت في عصر المعتصم وما تلاه ، فقد كان هناك شيخ لكل مهنة يحتكم الممتهنون عنده في حالات الخلاف .. وتطورت حركة القرامطة لتفرز شكلا له طابع سياسي في بعض الأحيان .. أما في العتيقة ، فكان الاجتهاد هو الحكم في الخلافات ، فيبدو أن الناس لم يكونوا مطلعين على تجارب من قبلهم أو من يجاورهم من التجمعات السكانية الأكثر تقدما ..

ابن حوران 09-08-2006 06:58 PM

جزيل الشكر لمروركم الكريم ..


Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.